لم يجد الباحثون دليلاً بعيداً عن الأخطاء والأغلاط، أو برهاناً مختلفاً عن باقي النماذج والأنماط، لتوضيح الحقائق ووضع النقاط، فوق حقيقة التاريخ العريق لموسيقى الأقباط، وذلك لإثبات أصلها وشكلها وسلّمها الموسيقي منذ بداية تكوينها، ومعرفة امتداد صوتها وعدد نغماتها وكيفية تدوينها، ولكن أجمع الخبراء على أن التراتيل الدينية، وسائر أساليب الأناشيد اللحنية، قد استقلت بذاتها بعد انتهاء العبادة الوثنية، وإن تشابهت قليلاً مع الأنغام الفارسية واليونانية، إلاّ أنها اختلفت في نوع الصوت وامتداده، وأيضاً في ارتداده ومستوى اشتداده، لأن الكلمة الواحدة في اللحن القبطي بحسب الوثائق، قد تطول مدة إنشادها لبضعةٍ من الدقائق، وهذا ما يجعل القدّاس يستمر لأربع أو خمس ساعات، تضم همهمة موسيقية رائعة بلا إيقاعات.

تعد الكاسات والأجراس والجلاجل والمراوح والنواقيس، من أهم الآلات التي استخدمت في الإنشاد والترتيل بشتى المقاييس، ومع مرور الزمن تم تعديلها وتطويرها، بعد إضافة أنواعاً جديدة تحول دون تغييرها، أي لتتناسب مع طقوس التعظيم والشكران، ولوصف أحوال المفازة دون الخسران، ولقد كُتبت بعض هذه الأعمال بصيغة «النوتات»، وفقاً لما جاء في القليل من بقايا المذكرات، لتكون نقطة الاهتمام بالتراث والحفاظ على مبادئ الجوقات، أثناء تقديم عروضها في الأعياد والاحتفالات وأهم المناسبات.

الجدير بالذكر أن روحانية اللغة القبطية نالت إعجاب العديد من الفلاسفة والحكماء، حيث إنها تعتبر المرحلة الأخيرة من مراحل لغة المصريين القدماء، والتي بدورها ساعدت الكثير من المؤرخين والمحللين والمستكشفين والعلماء، على قراءة ونطق الحروف (الهيروغليفية)، وفهم الرسوم الفرعونية، ولهذا احتضنت الكنيسة المصرية هذا التراث الخالد، بكل حنان وعطف ورعاية الوالد، ليترسخ كل ذاك الجمال في الألحان، وفي النغمات والحركات والأوزان، وليفوح نغمةً نغمة من أفواه المرتلين، إلى أن يستقر بصمةً بصمة في قلوب المستمعين.