أمورٌ كثيرة قد تغيّرت منذ أن كنتُ طفلاً، فحينها كان علينا بذل كثير من الجهد لجذب أي اهتمام لشؤون حياتنا، حيث كان الطفل يُعامَلُ كطفل وكان للكبار احترامهم وتقديرهم كأشخاصٍ كبار، كان مكاننا، بشكل أو بآخر، في الصفوف الخلفية.

كنا ندرس تارةً ونتشاجر تارةً أخرى، وكنا نُكَوِّنُ شِللاً وعصابات طفولية، كما كنا نحاول أن نثيرَ إعجاب بعضنا ببعض، ونادراً ما كنا نشعر بالحرج الشديد إذا ما ارتكبنا خطأً ما، ربما لم نكن نرتدي أروع الملابس، أو ربما تفوهنا بكلمات بدت سخيفةً فكان أصدقاؤنا يسخرون منا لبعض الوقت، ثم لا تلبث الأمور أن تهدأ، وسرعان ما كانت الذكريات تتلاشى وينسى الناس ما كانت تحمرُّ خدودنا خجلاً من أجله.

أما اليوم فقد تغيّر الوضع كثيراً، وبالطبع أشيرُ هنا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فحياتنا كأطفالٍ أو ككبارٍ راشدين يتم تسجيلها وحفظها للأبد، أو ربما لحين زوال تلك السجلات الرقمية على مر الزمن، وتبقى كلماتنا وأفعالنا مسجلةً ومحفوظةً طوال فترة حياتنا على الأقل، وهذا على ما يبدو لا يولّد الضغوط النفسية والقلق فحسب بل أيضاً يؤدي إلى تبعاتٍ كثيرة على حياة الآخرين.

فلم يعد من الصواب اتخاذ موقفٍ صارمٍ جداً تجاه مشكلة ما تثير اهتمام وقلق الرأي العام، لأن الأشخاص الذين يختلفون مع موقفك سيقومون بتعقبك ومضايقتك لحين نفاذ قدرتك على التحمل، كما أنه ليس من الحكمة الذهاب سِرّاً إلى حفلة خاصة والتصرف هناك على سجيتك، لأنك ستجد شخصاً ما يقوم بتصويرك مع أصدقائك وتحميل ملف الفيديو على شبكة الإنترنت كي يشاهده الجميع، وكلنا نعلم الفضائح التي أثارتها مقاطع الفيديو أو التي نشرتها تغريدات تويتر، والتي أدت إلى عزل أشخاصها عن المجتمع، بل وأدت في بعض الحالات التي اشتُهِرت في أوروبا والولايات المتحدة إلى إزهاق أرواحهم.

الكثير منا يحب إمكانية ظهورهم عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كما يحبون استكشاف ملفات الإنترنت والتعبير عن أنفسهم بواسطة الكلمات والصور، وأقل ما يمكننا فعله هو التأكد من أن لدى أبنائنا وبناتنا الوعيَ الكامل بمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، كما يجب أن نوضح لهم أنهم في واقع الأمر عليهم أن يتصوروا أنَّ شخصاً ما برفقتهم يقوم بتصويرهم طوال الوقت.. هل هذا ضربٌ من «جنون الريبة»؟. ربما هو كذلك بالنسبة للبعض، ولكنه يمثل «الواقع المرير» لكل أولئك الذين تضرروا من وسائل التواصل الاجتماعي.