تظل إشكالية أصل الدولة وعلاقتها بالحكم وبالمجتمع من أقدم الإشكاليات وأعقدها، لأنها مرتبطة بالإنسان في مختلف أبعاده النفسية والوجودية، لذلك كان الهدف الأسمى من وجود الدولة هو«تدبير الإنسان» وفق ضوابط متفق عليها وملزمة، بما يجعل الإنسان نفسه، حسب «هيغل»، كلية مرهونة بالخضوع للضوابط (الالتزامات) أكثر من الاندفاع لممارسة الحرية المطلقة التي لا معنى لها مع وجود نظام الدولة، ولذلك كان ينافح عن الدولة العقلانية التي ينبغي لها أن تمارس القوة ضد النزاعات الذاتية المنجذبة إلى الحرية المطلقة.

لكن تأكيده أن الدولة تنظيم اجتماعي يعبّر عن فكرة أخلاقية تنزع دوماً إلى الاكتمال الذي لم يتحقق بعد، هو إلماح استباقي يجعل الدولة نظاماً منفتحاً ومتحولاً، وليس ما ذهبت إليه بعض التأويلات الخاطئة لكلامه مثل «الدولة هي الروح» على أنه ميتافيزيقي يضفي على الدولة طابع القدسية والجمود.

مع أصحاب نظرية العقد الاجتماعي أصبح مفهوم الدولة مرتبطاً بتطور المجتمع، غير أن روسو يرى أن الدولة نتاج لإرادة الشعب صاحب السيادة والسلطة، ومن هنا فالإرادة العامة أقوى من إرادة الدولة التي لا مناص لها من أجل الاستمرار من اعتماد الديمقراطية.

يستخلص مما سبق أن الدولة ليست بنية ثابتة متعالية على المجتمع، ولا تستطيع أن تتجاوز تعاقدات الناس وإرادتهم، وأن احتكارها للقوة لا يعني أنها قادرة على تقويض ديناميات المجتمع.

يلاحظ، اليوم، أن التحولات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية، والقطائع الكبرى التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، جعلت فكرة الانتماء إلى المجتمع والدولة تأخذ معاني مختلفة، وأن فكرة التعاقدات الاجتماعية لم يعد لها المعنى الذي كانت تحتويه سابقاً.. إننا أمام جيل بشري جديد مرتبط بفكرة «الرفاه الفردي» وبالرغبة في التماهي مع أشكال الحياة العصرية التي تقدمها له الصورة الإشهارية.

إننا نعيش معنى تقليدياً للدولة، بل إن كيان الدولة نفسه لم يتحرر من هياكله الكلاسيكية التي وضع أسسها فلاسفة الأنوار.

لقد كان هيغل وروسو واعيين، بالرغم من تباين مقاربتهما، بالطابع الدينامي للدولة وبحتمية تجددها المستمر، ولم يجعلا منها نظاماً نهائياً ومغلقاً.

احتجاجات المجتمعات، اليوم، تدل على أن أسس التعاقدات الاجتماعية وأسبابها التي تنتظم في سياق الدولة والمجتمع باتت متجاوزة، لأنها لم تعد تلبي حاجيات الأفراد وتجيب عن أفق انتظاراتهم في الحياة.

لقد انزاح إطار الدولة عن هدف تجسير روابطه بالمجتمع وتجديد تعاقداته إلى الانصهار في إرادة الليبرالية المتوحشة، التي جعلت المعنى التقليدي للدولة منصة سياسية لتبرير بشاعتها على حساب الإنسان وكرامته.

يظل الانتقال من الدولة التقليدية إلى «ما بعد الدولة» رهاناً أساسياً للانسجام مع حركيات المجتمعات، وخلق تعاقدات جديدة تعيد ثقة الأفراد في الدولة الجيدة والمجتمع معاً.