القهوة من المنتجات النادرة في عالمنا التي لا تحتاج إلى تسويق أو ترويج! فمنظر حبات البن أو صورة فنجان القهوة أو تسلل رائحتها إلى دماغ الإنسان.. كلها أدوات ترويج فورية لا تدع مجالاً للاختيار أو التفكير! لأن القهوة بالأساس ضرورة حتمية لتشغيل العقل بالشكل السليم كي يبدأ في عملية التفكير والاختيار والعمليات المعقدة الأخرى.

بالنسبة لأغلبية المبدعين المعاصرين أو حتى الحاضرين في التاريخ، فالقهوة ليست أبداً رفاهية أو عنصراً مساعداً أو إكسسواراً قد يغيب وقد يحضر، بل هي متلازمة حتمية لهطول الإلهام وتحضير المكوّنات الرئيسة لأطباق الإنتاج الإبداعي، القهوة بتركيبتها السحرية تمنح العقل المفاتيح السرية لدهاليز العبقرية وإشراقات الأعمال المدهشة. الحالة الفكرية المتوهجة للمبدعين بحضور القهوة جعلتهم يتساءلون في كثير من المناسبات «هل هناك حقاً أناس لا يحبذون القهوة! كيف تعمل عقولهم بدونها؟».

من الأخبار التي استمتعتُ بإيقاعها الجميل على قلبي وعقلي إبداعات الفنانة التشكيلية المصرية سارة مدحت التي كانت تمارس هوايتها المفضلة في الرسم بالزيت بصحبة فنجان قهوتها بالتأكيد، ولكن ريشتها قرّرت مشاكستها بأن وقعت بالصدفة في فنجان القهوة .. فكان أن ساهمت القهوة في تكثيف المزاج الفني للوحة دون قصد، لاحظت سارة التأثير اللوني المميز على اللوحة فبدأت في اعتماده فنياً.

الفكرة جريئة إلى حد كبير، فالصدف لا تجعل الآخرين يتحلّون بالشجاعة اللازمة لاعتمادها، ولكن إيمانها بأن القهوة في الأساس من الأبجديات الفنية الأساسية ومن ضرورات الأعمال الإبداعية التي تسعد الناس، جعلها تمضي قُدُماً في مشروعها الجميل، لترسم وجوه الفنانين هند رستم ونجلاء فتحي وشكري سرحان ورشدي أباظة وحسين رياض وسعاد حسني وغيرهم.

تقول سارة إنها بدأت بتجربة الإضاءة المختلفة للون القهوة على اللوحة، ولاحظت أنه يعطيها تميزاً وعراقة، وأن اللوحة الواحدة تستغرق نحو ساعتين، وتضع فيها نحو ربع كيلو من البن والقهوة سريعة التحضير حيث تقوم بخلطهما كي تحصل على الدرجات المختلفة من اللون.القهوة ليست رفاهية أو إكسسواراً بل متلازمة حتمية للإلهام والإبداع