ما الذي يجعلنا نغوص في جنون الكلمة لنكتب ونكتب ثم نكتب مع اعتقادنا أحياناً أن لا أحد يكترث لتلك الدوامة من الجنون التي نعيشها لنوصل ما يعتمل في أنفسنا للآخرين، الذين قد تبدو النسبة الكبرى والعظمى منهم لا تكترث حتى لكلمة مما نسطره من أفكار اعتصرتها مخيلتنا، وبذلت فيها أغلى ما تملك، وهي الكلمات التي تمثل لها الثروة التي يجب ألا تنضب إن أرادت الاستمرار في الإكسير الذي يمدها بالحياة.

القراء هم الفئة المستهدفة، ومن يملك ذاك السحر القادر على زرع الابتسامة والرضى في قلب راوٍ أو كاتب عابس لم يذق طعم الراحة لساعات وأيام، وهو يسطر ما يعتمل في نفسه ليطلع عليه الآخرين، ليحدث ذاك التغيير المرجو عبر إيصال فكرته التي يظنها عصا موسى، عبر سطورٍ في ورقٍ قد يُقرأ، وقد يرميه أحدهم، أو تجعله إحداهن «كسفرةٍ لطعام» تُرمى مع ما تبقى منه، لكنه وإن كان ذا حظ، سيجد طريقه لأن يُحتفظ به ويُقدّر وينتقل من يدٍ لأخرى معجبة ومقدرة وإن كانت حتى ناقدةً وغير متفقةٍ معه، إلا أنها راضية بأن تناقشه وتفند طرْحَهُ.

الكتابة هي فن الحديث بصمت، وهي جنون الوحدة ودوامة التّيه وخرائط اللانهاية، وهي إيماءات ذاك الراعي الذي لا يعرف غير السهول التي يُرافقه فيها قطيعه، الذي يفهمه عبر ما يصدر عنه من حركات تمثل لغة التفاهم بين عاقلٍ ومُسيّر، أجبرتهما ظروف الزمان والمكان على أن يتحدا في بوتقةٍ واحدةٍ تشكل عالمهما المعروفة نهايته لأحدهما، والغامضة عن الآخر.

الكتابة إدمان يصعب التخلص منه، حتى لو لم تجد مكاناً تنشر فيه ما تكتب، فاضمحلال الفرص لا يعني التخلي عن ملكة تجري كالدم في العروق، فهي حوار الإنسان مع ذاته عبر الكلمات، التي بخروجها من عهدته يكون قد حررها لتجد طريقاً لها صوب قارئ مرجوّ يعرف قيمتها، وحتى إن ضلت الطريق فستجده يوماً، فندرة الفرص وصعوبتها لا تعني استحالتها، فليس فقط لكل مجتهد نصيب، بل هو لكل مثابر وصابر يأبى أن يصيبه قنوط تسببت به مملكة الصحافة في وطنه الغارق بهمومه هو الآخر، والذي يرى القائمون عليه أن رغيف الخبز أولى وأهم من كلام الجرائد!