كان الهدف من زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى طهران الأسبوع الماضي هو التخفيف من حدة التوتر في منطقة الخليج العربي، إلا أن المواجهة القائمة هناك تفاقمت أثناء الزيارة، بعد أن كان التوتر قد تراجع كثيراً عند إعلان «آبي» رسمياً عن عزمه على إتمام الزيارة عقب القمة التي جمعته بالرئيس ترامب في طوكيو يوم 27 مايو الماضي.

وشجّع ترامب «آبي» على الذهاب إلى إيران في اللحظة التي غادر فيها اليابان، إلا أن التحضير للزيارة استغرق أسبوعين حتى تمّت بالفعل يومي 12 و13 يونيو الجاري.

وفترة أسبوعين تعدّ قصيرة جداً لوزراء اليابان لتحضير رئيسهم لزيارة بلد أجنبي، ويكون علينا أن نتذكر أن الكلمات التي ألقاها «آبي» ليست من نسج خياله، بل كانت مكتوبة بدقة وعناية.

ومن المعروف أن عملية صنع القرار السياسي في اليابان تتم بطريقة تصاعدية (هرمية) وتكون منظمة وممنهجة، ولهذا السبب يمكن اعتبار كل الوعود التي أطلقها مضمونة التنفيذ على المستوى المؤسساتي، ولهذا السبب فإنها جديرة بالثقة.

وكان «آبي» ملتزماً بالنطق بتصريحات سبق إعدادها وكتابتها بطريقة جماعية، وكان يقوم بتدوين ملاحظاته الخاصة على قصاصات ورقيَّة أثناء اجتماع القمة مع ترامب.

وفي الشرق الأوسط، تعد فترة أسبوعين مدة طويلة يمكن أن تتغير أمور عديدة خلالها، وكثيراً ما يغير القادة السياسيون مواقفهم وقراراتهم بسرعة كبيرة في تلك المنطقة.

وكان من سوء الحظ أن بعض عناصر الأزمة القائمة في الخليج تعرضت للتشويش والتآمر خلال تلك الزيارة، وهو ما أدى إلى إفساد الجهود الدبلوماسية لرئيس الوزراء «آبي».. فقبل اللحظة المهمة والحاسمة التي سبقت اجتماع القمة بينه وبين علي خامنئي، تعرضت ناقلة نفط يابانية لهجوم خارج مضيق هرمز، وتزامن هذا الحادث مع هجوم ثانٍ على ناقلة أخرى مملوكة للنرويج أصيبت بأضرار كبيرة.

وتلقى الشعب الياباني هذه «الرسالة» من أحد ما يقف وراء هذا الحادث الغامض، وكانت بالغة الوضوح وحملت في طياتها معنى الإهانة للشعب الياباني ومفادها: «ما زلتم مبتدئين، وأنتم أقل شأناً من أن تتدخلوا فيما يدور هنا».

واليابان تؤدي عادة نوعاً من الدبلوماسية يختلف تماماً عن تلك التي تتبعها في الشرق الأوسط، وتقوم الدبلوماسية اليابانية على أساس من الثقة المبنية على الحقائق، وأما في الشرق الأوسط فإن الدبلوماسية تقوم على الخداع والازدراء.

ولقد اعتاد اليابانيون ألا يهتموا إذا سخر أحد ما من صدقهم ونواياهم السليمة، ولكنهم يتألمون كثيراً عندما يرون الثقة المتبادلة تنهار بسبب الخيانة، وفي دبلوماسية الشرق الأوسط، غالباً ما تتم خيانة الأمانة بسهولة ليتم نسيانها بعد ذلك بسرعة فائقة، أما بالنسبة لليابانيين فإن خسارة الثقة ربما تبقى في ذاكرتهم سنوات طويلة، وقد تمتد لعدة أجيال متعاقبة، وهم يحترمون الوعد الشفاهي المنطوق بالفم احتراماً كاملاً ولا ينسون الخيانة، ولا يغفرونها أبداً.