مما لا شك فيه أن الحضارة الإغريقية من أهم وأقدم حضارات الشعوب، وأغناها في الفلسفة والعلم والشعر وموسيقى القلوب، فهي الأكبر شأناً، والأكثر لحناً، والأجمل فناً، والأشد حسناً، والأشهر علناً، والأبعد زمناً، والأثقل وزناً، والأقل وهناً، والأقرب وطناً.

ولا تزال أسماء المشاهير الإغريقيين لامعة إلى يومنا هذا في شتى الميادين، لما كانوا عليه من إبداع وتميز يفوق العالمين، ولما لهم من فضل في تقدم الناس أجمعين. فإن تلك الأمة قد أثرت على جميع مَن في الأرض، في كل المجالات بالطول والعرض، خاصة الفنون الجميلة باختلاف صورها وتنوع أشكالها، من خلال تطور أسلوبها وأحوالها، كالرقص والمسرح والغناء والنحت والرسم، حتى إنهم مجّدوها حد العبادة بالفعل لا الاسم، باعتبار أنها آلهة تهذب النفس والجسد والأخلاق، وتزيد من تطلعات البشر في الآفاق، تثقف الشعب وترفعه، وتزيد من رفعته حين تقنعه.

تبدأ القصة في الإغريق عن بديع اللحن العريق، مع أول مَن عامل الموسيقى على أنها عِلم مستقل بذاته، له نسبه وقيمه وتركيبه ونظرياته، وبذلك تغيرت معالم النغمات البدائية، وتبددت علامات التخلّف شبه البيئية، مذ عدّلوا ملامح النغمة الأولية كعملية تجميل منتظمة، حيث إنهم نظموا أنفاس موسيقاهم بصورة منظمة على يد فيلسوفهم الشهير أفلاطون العظيم الذي علمهم الاعتناء بصحة ألحانهم دون تعظيم، أي بدراستها والإلمام بجميع المعاني الحقيقية، حول أسس الأساليب التدقيقية، للتعرّف إلى الأسرار الموسيقية، وتفهّم حقولها النظرية والتطبيقية، إلى أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافتهم الإغريقية، ومهاراتهم في فنون الجذب التشويقية، ولذلك جعلوها علماً إجبارياً على الجميع حتى سن الثلاثين، فقد تصوّروها كنزاً متوارثاً وكأنهم خير الوارثين.

الجدير بالذكر أن أهالي المدن الكبرى مثل أثينا وأسبارطة وطيبة تعلّموا العزف على آلة المزمار بسرعة رهيبة.