كُلُّنا يَحْلُم بشرق أوسط خالٍ من السلاح النووي، لكنْ ثَمَّةَ دولتان ترفضان ذلك، وهُمَا إسرائيل وإيران، فالأولى تملك ترسانةً نووية غير مُصَرَّح بها؛ أمَّا الثانيةُ فتَحُثُّ خُطَاهَا لاقتناء هذا السلاح.

وإذاً، فليس أمام العرب، والحالُ هذه، سوى التفكيرِ الجادِّ في حماية أنفسهم.. إنَّ اقتناءَ السلاح النووي يَجِب أن يكون آخِرَ الخِيَارات الممكنة، لكنْ إذَا كان لا بُدَّ منه فَما حِيلَةُ الْـمُضْطَرِّ حينئذ؟؛ لا سِيَّما في نظام دولي لا يَرحم.

إنَّ العلاقات الدولية مُنذُ القِدَم حَتَّى اليوم لا يَحْكُمها القانونُ بل السياسةُ؛ وهذه قائمةٌ على المصالح الوطنية.

ومَن يَقْرَأْ كتاب «الحروب البِيلُوبُّونِيزيَّة» للمُؤرِّخ العبقري ثيوسيديدس أو«تاريخ هيرودوت» يُدْرِكْ هذه الحقيقة في العالَم القديم؛ أمَّا اليوم فنَحْنُ نشاهِدُها يَوْمِيّاً.

السلاحُ النووي بطبيعته رَدْعِيٌّ، فهناك مَنطِقٌ يقول إنَّ خيرَ مَا يَمْنَع وُقُوعَ حرب عالمية ثالثة هو الرُّعْبُ النووي، ويقومُ هذا المنطقُ على افتراض أنَّ الأطرافَ النووية تَتَصرَّف بعقلانية، لكنْ هناكَ مَن يَرى أنَّ بعضَ القادة لا يَتصرَّفون بحكمة، مثل هتلر؛ فهو لو امْتَلَكَ سلاحاً نوويّاً لاسْتَخْدَمَه حتَّى لو اقْتَنَاه خصمُه.

وهناك أربعةُ عوامل تُعَزِّز احتمالَ وُقُوع حرب نووية، الأوَّل: هو تَفَوُّقُ أحَدِ الأطراف النووية على عَدُوّه في الأسلحة التقليدية، فمثلاً، لو فَرضنا وُقوعَ حرب بين دولتين نوويتين: (أ) و (ب) حيث تكون الدولةُ (أ) متفوقةً في الأسلحة التقليدية تَفَوُّقاً سَاحِقاً، فإنَّ الدولة (ب) ستلجأ إلى استخدام السلاح النووي لِسَدِّ تلك الفجوة.

العامل الثاني: هو شعورُ أحدِ الأطراف بأنَّه سَيَبْقَى بَعْدَ الضربة الأولى، في حين سَيُدَمَّر خصمُه تدميراً كاملاً، ومِن هذا المنطق تَوَقَّع ماو تسي تونغ سنة 1957م أنَّه إذَا وَقَعَتْ بين الصين والعالَم الرأسمالي حَرْبٌ نووية فسَيَبْقَى مِن سُكَّانها مَا يَكْفِي بَعْد تلك الحرب، وللرئيسِ الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب فلسفةٌ مُمَاثلة، لكنَّها تُراهِن على التفوُّق النووي والاقتصادي للولايات المتحدة التي سَتَبْقَى - في نَظَره - وتَتَعافى بعد حرب نووية.

والعامل الثالث هو حدوثُ خَطَأ في التقدير، ونُشير هنا إلى التقدير الخَطَأ عندما نَشَرَ السوفياتُ صواريخَ نووية في كوبا 1962م، فكادت الكارثَة تَقَع.

ويَتَمثَّل العاملُ الرابع في حُصول جَمَاعَاتٍ إرهابية على الأسلحة النووية، فهذه الجماعاتُ انتحاريةٌ وغيرُ مسؤولة ولا يَحْكُمُها مَنطقٌ ولا مبادئُ تَوازُن الرُّعب النووي.