يشتغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على آليتين متزامنتين في التعامل مع الأزمة الإيرانية، الآلية الأولى: الاستمرار في فرض عقوبات أمريكية جديدة يضطر العالم بنسب معينة للالتزام بها، في ظل ازدياد وثوق واشنطن بالمعطيات التي أثبتت أنّ الضغط الاقتصادي هو أشدّ ما تخشاه طهران، لا سيما أنّ البنود الثلاثة للأثر العملي للعقوبات المتمثلة في التدهور الاقتصادي بعد الانسحاب الاستثماري الصناعي الأوروبي من إيران، وملاحقة وتجفيف أصول التحويلات المالية، ثمّ المقاطعة النفطية، باتت في حيّز التطبيق والتداعيات النافذة.

الآلية الثانية: تحاشي رد الفعل الآني في الانجرار إلى عمل عسكري لمواجهة أي تصعيد إيراني لا يرقى إلى قتل أمريكيين، وهو رأي أغلب أقطاب الإدارة الأمريكية باستثناء مستشار الأمن القومي بولتون ومحيطه الضيّق.

لكن ترامب يدرك مدى الحرج الكبير الذي تتعرض له صورته كرئيس تواجه عروضه السياسية بردود ذات طابع حربي وقتالي، من دون أن يكون في برنامجه فقرة للرد، بسبب التحسب لردود فعل إيرانية قد تجر الأمريكان إلى مواجهات ثانوية للتشتيت، وليّ عنق الأهداف الأمريكية بعيدة المدى، وتضعف الموقف الداخلي لترامب في فترة محرجة أمام شراسة المرشح الديمقراطي.

واستدراكاً لأي حرج، يتجاهل ترامب أية مشاغلات، ويبدو متمسكاً بالهدف المركزي، وهو منع حصول إيران على السلاح النووي، وهو ما تقول إيران نفسها إنّ هدفها منه الأغراض السليمة للتصنيع وليس القنبلة النووية التي تنص فتوى مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي على تحريمها أصلاً، لكن يبدو أنّ الثقة بشأن الفتوى التي امتدحها الوسيط الياباني قبل أسبوع، معدومة تماماً لدى واشنطن.

تبدو السياسة الأمريكية مجدداً واضحة، في تعاملها الدولي مع الأزمات، إذ يتزامن عرض العقوبة مع عرض المكافأة، وهي سياسة اتبعت مع كوريا الشمالية من دون أن تحقق أهدافها حتى الآن.

ومن المستبعد أن تثمر السياسة ذاتها نتائج مفيدة لواشنطن في زمن ولاية ترامب، إذ يتكرس التوجه الإيراني نحو اللعب على عامل الزمن، لا سيما أنّ العقوبات الأمريكية قد بوشر بتطبيقها، ولم يعد هناك من أمل في إزالتها من دون ثمن كبير يجب على إيران دفعه، وهو ما لا تريده أن يكون في ولاية ترامب، لتراهن على فرصة مجيء رئيس ديمقراطي، أو التعويل على الاختناقات الداخلية التي ستواجه ترامب في حال تجديد ولايته.