عظيم جداً أن يكون رأيك صائباً، والأعظم أن تمتلك قدرة التراجع عن رأيك الخاطئ.. أنت شجاع عندما تعرض رأيك بلا خوف ولا تردد، وأنت أكثر شجاعة حين تعيد النظر في رأيك الخاطئ بلا خجل.

الثّري حقاً هو ذلك الذي لديه مليون فكرة صائبة ورأي سديد ولا يضره أن تسقط منه مئة فكرة خاطئة، والفقير المعدم فكرياً المفلس هو ذلك الذي لا يمتلك سوى فكرة واحدة ورأي يتيم، فهو يتشبث بهما ولا يتنازل عنهما حتى إذا أثبت له العالم كله أنهما على غير الحقيقة.

والفقر الفكري المدقع لدى العرب هو سبب الصراع والاقتتال والدم والدمار.. فالعربي يدافع عن رأي يتيم خاطئ حتى القتل ولا يطيق أن يكون هذا الرأي خاطئاً، لذلك يلجأ فوراً إلى إسكات من يعارضه بالقتل والذبح، والمفلس فكرياً هو ذلك الذي لا وسيلة دفاعية عنده سوى الغلوّ والتطرف، الفقير فكرياً لا بد من أن يكون متطرفاً متعصباً مغالياً، وهذا شأن العربي، فالمفلس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هو من جاء يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا».

والعربي سبَّاب، شتَّام، لعَّان قاتل في الدفاع عن إفلاسه، ومن عجائب العرب أنهم سموا إصبعاً في اليد السبَّابَة، فهم قوم سب ولعن لأنهم مفلسون، على الرغم من أن هذه الإصبع السبَّابة نستخدمها في الإشارة والتحذير والإنذار، وكان يمكن أن نسميها المشيرة أو المحذّرة أو المنذرة.

ومن غلوّ العرب أنهم أكثر شعوب العالم استخداماً لأفعل التفضيل.. أعظم إنجاز، وأشجع قرار، وأزهى العصور، وأجمل امرأة، وأحقر وأضعف وما إلى ذلك.

ومن تطرّف العرب إسرافهم في وصف كل أمر بأنه تاريخي.. هدف تاريخي، وقرار تاريخي، وإنجاز تاريخي، حتي إن كلَّ من هبَّ ودبَّ دخل التاريخ العربي من أوسع أبوابه، بل إن التاريخ العربي لم تعد له أبواب، والخير العربي صار شراً بالتطرف والغلوّ، والرفق نُزع من كل أمر عربي فشانه.. فالحق صار باطلاً بالتطرف، والدين صار منفراً بالتطرف، والحرية صارت فوضى بالتطرف.

وعندما يكون الكل على حق يكون الكل على باطل، والحق دائماً مع من يجيد تسويق الباطل، وأنت في أمة العرب لست مطالباً بالكفاءة ولكنك مطالب بالقدرة على تسويق ذاتك وباطلك، فلا قيمة لمن لديه خمسة وتسعون في المئة كفاءة وعبقرية وخمسة في المئة ترويجاً وتسويقاً، ولكن القيمة لمن يمتلك عبقرية الترويج والتسويق بلا كفاءة في الأداء، فالحق في أمتي عاطل والنجومية والغلبة للباطل.