قد لا يعرف كثيرون أن د. طه حسين، حين كان وزيراً للمعارف العمومية، تقدم باستقالته في أول أكتوبر 1951 إلى “حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء” وهو آنذاك مصطفى النحاس (باشا)، وذلك إثر خلاف حاد وقع مع وزير الخارجية محمد صلاح الدين (باشا)، وموضوع الخلاف هو الجزائر.. نعم الجزائر الشقيقة.

الذي حدث أن وزير المعارف د. طه كان يلح على ضرورة أن تؤسس الحكومة المصرية بالاتفاق مع الحكومة الفرنسية معهداً للثقافة العربية في الجزائر العاصمة، يكون هدفه نشر اللغة العربية ومقاومة التَّفرنس، الذي تفرضه فرنسا الاستعمارية على الأشقاء في الجزائر، وكان عميد الأدب العربي مؤمناً أن اللغة والثقافة العربية هما أهم ما يربط شعوب المنطقة، كما اعتبر الاهتمام باللغة والثقافة العربية ونشرهما نوعاً من مقاومة الاستعمار، ولذا نجده في عشرينات القرن الماضي، يزور فلسطين في مهمة علمية فيعود ليرفع تقريراً إلى وزير المعارف يطلب فيه أن تؤسس مصر مدارس عربية في فلسطين دعماً للثقافة العربية، ومقاومة للانتداب البريطاني على فلسطين من جهة والمدرسة العبريَّة في القدس (الجامعة العبرية فيما بعد)، لكن الحكومة البريطانية رفضت ذلك بإصرار شديد وأعاد الإلحاح على هذا المطلب في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر سنة 1938».

ولم تكن المشكلة في الجزائر أقل، ولذا وضع خطة لتأسيس معهد الجزائر، وكان لا بد أن تنال موافقة مجلس الوزراء عليها، وهكذا عرضها، وانبرى وزير الخارجية مهاجماً الفكرة بضراوة بدعوى أن مقاومة الاستعمار لا تتم بهذه الطريقة، وأن الثقافة واللغة ليسا جزءاً من المشكلة، ولكن نلمس في خفايا هذه الأزمة أن وزير الخارجية ارتأى أن هذا شأن وزارة الخارجية وليس وزارة المعارف، من هنا كانت حدته في الرد على زميله، الذي لم يجد بداً من التقدم باستقالته وجاء فيها «لست أرى بأساً بأن يأخذ مجلس الوزراء برأي الزميل الكريم فيعدل عن إنشاء معهد الجزائر، ويلغى معهد مدريد وكرسي محمد علي بمركز البحر الأبيض المتوسط بمدينة نيس، وكرسي اللغة العربية بجامعة أثينا، فكل هذه قشور لا تحارب الاستعمار ولا تحقق استقلال الأمم العربية».

الاستقالة بنصها الكامل محفوظة في«دار الكتب والوثائق القومية» بالقاهرة، وقد رفضها رئيس الوزراء مصطفى النحاس، وبعد أقل من أربعة شهور وقع حريق القاهرة وأقيلت الحكومة كلها.

وحين قامت ثورة الجزائر كان د. طه حسين من أشد المتحمسين لها والمدافعين عنها، عبر مقالاته في جريدة «الجمهورية»، وقد كان أحد رؤساء تحريرها.