احتمال نشوب حرب بين أمريكا وإيران، يعني احتمال أزمة كارثية تضرب في العمق دول الخليج، وتنعكس سلبياً على توازنات العالم الاقتصادية والسياسية، وهذا ما ألح عليه الرئيس الروسي بوتين، وهو يدعو الطرفين المتنازعين إلى إيجاد حلول سياسية بدل استعجال الحرب، لكن تراجع دونالد ترامب في اللحظة الأخيرة عن ضرب أهداف إيرانية، بعد إسقاط طهران للطائرة الأمريكية، لا يعني أن خيار الحرب أصبح لاغياً، وهذا ما أشار إليه ترامب بأنه ليس على عجل من أمره للرد عسكرياً على إيران.

ما وراء تراجع ترامب عن ضرب إيران جملة من الاعتبارات السياسية والمصالح المعقدة، يلخصها اللقاء الثلاثي الأخير ما بين أمريكا وروسيا وإسرائيل في القدس، والذي من خلاله البحث عن تسويات سياسية ووضع تقديرات تستجيب لمصلحة كل دولة على حدة في المنطقة، وبالتأكيد ستتشبث روسيا بتعاونها مع إيران في المنطقة.

وهذا يمثل نقطة قوة في تفاوضها مع أمريكا، تنتظر منه مراجعة حجم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا عليها، مقابل لعب دور في تليين نفوذ إيران في سوريا والمنطقة، أما إسرائيل فستدير هذه المفاوضات في أفق ثني أمريكا عن ضرب إيران نظراً لوعيها بما سيترتب عنها من أثار سلبية على إسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

لكن، لماذا اختارت إيران التصعيد، وهي تعرف أن عواقب الحرب وخيمة عليها؟.. هل لأنها تملك قوة حربية تحاول من خلالها التفاوض حول تموقع جيو استراتيجي يضمن لها زيادة تخصيب الأورانيوم لتقوية تموقعها السياسي بين القوى الكبرى في المنطقة؟، أم هل تهدف إلى لعب دور الضحية لتحشيد حلفائها وأتباعها في الشرق الأوسط كله لزيادة انتشارها الأيديولوجي والجغرافي؟ المرجح أن إيران لها مقروئية خاصة لهذا التصعيد، إما في خيارها للتلويح الظاهري بالمواجهة لجس نبض درجة جاهزية أمريكا لضربها، وفي حالة تأكدها من جدية هذه الجاهزية يحتمل تغيير تكتيكاتها السياسية وتليين تحدياتها المختلفة، وإما تأكدها من معلومات تفيد أن أمريكا ستشرع في تنفيذ خطتها للإجهاز عليها وفق التبريرات نفسها التي اعتمدتها في ضرب العراق وإسقاط نظام صدام حسين، كما تناقلته مؤخراً بعض الوثائق الاستخباراتية الإسرائيلية.

في هذا السياق تأتي مبادرة إيران لإسقاط طائرة التجسس الأمريكية لتوريط البيت الأبيض في دخول الحرب بالمنطقة.. إذا ما سقطت أمريكا في الحرب، فإنها ستحقق للنظام الإيراني أولاً ميزة إجماع الشارع من حوله وإكسابه مزيداً من الشرعية، وستمكنه ثانياً من تذويب أثار الحصار الاقتصادي الذي تسبب لها في أزمات اجتماعية واقتصادية وسعت من رقعة المعارضة وإمكان انفجارها السياسي.

المرجح أن قرار تراجع ترامب عن ضرب إيران جاء نتيجة لإدراك هذا الفخ، وما يترتب عن الحرب من خسارات سياسية واقتصادية جسيمة، كما أنها ستكون مناسبة لتمنيع النظام الإيراني من الانهيار.