«دون جوان» الفارس الأسمر الوسيم ذو السيف المتدلي من وسطه بزيه الجميل، وحضوره الفاتن، وطلعته البهية، ونهمه النسائي، وغريزته المتفجرة اتّضح لي أنه حقيقي، وكان أول من صاغه وتحدث عنه الشاعر الإسباني غابريل تيليز، الذي كتب مسرحية ماجن إشبيلية المنتقدة لفسادٍ أخلاقي تفشي ببلاده في عصرها الذهبي، حين أصبح تغرير الشباب بالعذارى من الفتيات شائعاً، فتصدَّى الكاتب للظاهرة ناقداً.

لكنه، وبعد خلقه تلك الشخصية نقل عدواها لسواه من الكتاب والكاتبات الذين ألهمهم قصصاً لرواياتهم، ولا تزال تُكتب حتى يومنا هذا، بل باتت وصفاً يطلق على من يُعتبرُ بعيون البعض النسوي الجميل المُتيم بالأنثى، فيما يراه آخرون فاسقاً ذا علاقات لا حصر لها.

أما النساء محور بطولاته ففيهن من تراه فارس أحلامٍ ما إن تنال وصاله حتى تلعنه بعد اكتشافها لحقيقته، فهو كالرجل المزواج، الذي لا تمضي شهور على اقترانه بفتاة حتى يتحول لغيرها، وهكذا حتى لا تعدوا الأنثى في مذكرته أكثر من رقم تضاف له أخريات كلما سنحت الفرصة، وهم وبكل أسف كثيرون في مجتمعاتنا، حيث المرأة الطرف الذي تُفرض عليه إرادة الآخرين.

قصة الدون جوان قادتني لكتابٍ فيه بجانب قصة اللعوب شرح لمعنى الحب العذري، فاكتشفت أن التسمية تعود لقبيلةٍ عربية اسمها بني عُذرة، عُرِف عن محبيها موتهم حباً وإخلاصاً لمحبوباتهم دون التفكير بالزواج بهن ولو كان متاحاً وممكناً، فالحب لديهم ربما كان من أجل الحب أو كي لا يفسده رباط الزوجية، فمتعته في لوعته ولذته في عذابه والسمو به بفقد صاحبه حياته فداءً له.

قول أحد «الحبّيبة» من بني عذرة حين استهجن سائلٌ حبهم واستحمقه: «والله لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج والشفاه السمر تفتر عن الثنايا الغر كأنها نظم الدرر، لجعلتموها اللات والعزى ولنبذتم الإسلام وراء ظهوركم»!

قد يستهجن البعض تجديف الشاب بوصفه لجمال محبوبته، فلو كن كما قال فلربما ضُرب المثل بنساء بني عُذرة من فرط جمالهن، ولتسابق العرب لخطبتهن، لكن ما أثارني بقوله هو أن بعض قصص المحبين، قد أنبأتنا أن منهم من قد تحول عن دينه واعتنق دين المحبوب أو المحبوبة، تتويجاً لانصهارٍ روحي وجسدي لا يكفيه أن يكون العشق لأجل كينونته فقط، وإنما من أجل النهايات السعيدة.