يولد الإنسان حُرّاً، لكن هل يبقى على هذه الحال على الدوام؟.. إن أشياءنا المادية التي نسعى لامتلاكها مع الوقت تحمل رمزية وجودية تجعل قرار التخلّص منها أحياناً قراراً صعباً، فقد نتوهم وبشكل مجحف في حقّنا أن وجودنا مرتبط بأشيائنا.

إن الولع بالاحتفاظ بالأشياء يقابله ولعٌ آخر شديد الضراوة، وهو الاستحواذ على المزيد من الأشياء! وهذا ما تعبّر عنه الثقافة الاستهلاكية التي هي وباء عصرنا الحديث، فبعد أن كانت الروابط الاجتماعية، والإخلاص في الإنجاز، وتطوير المجتمعات هي المغزى الذي يعيش من أجله الإنسان، أصبح امتلاك أحدث الطرازات من المنتجات وأكبرها وأفخمها هو الأهم.

وقد نشأت في العقد الماضي حركة مضادّة للثقافة الاستهلاكية تُسمّى بـ «التجـرّد»، تدعو إلى التخلّص من الأشياء التي لسنا بحاجة حقيقية لها، والعيش على ما نحتاج إليه فقط، ما يسهم في تحرّرنا من الخوف والقلق والإحباط، وبهذا نُهيّئ مساحات حياتنا للشغف والإبداع ومزيد من الخبرات والعطاء، والتخلّص من الفوضى التي تسبّبها الأشياء المتراكمة، وهو ما سيحقّق ذلك.

يقول «جوشوا ميلبورن» و«ريان نيكوديمس» رائدا حركة «التجرّد» إن الضرر لا يكمن في رغبتنا في امتلاك أشياء تسعدنا، طالما أنها تسعدنا حقاً ونحتاج إليها، بل في إعطاء أشيائنا معنى أكبر مما تستحق، وإن «التجرّد» يساعدنا في عملية اتخاذ القرار بشأن الأولويات في حياتنا.

ربّما تسهم هذه الطريقة في التعامل مع أمراض عصرنا اليوم، من توتر وقلق، فحين شدّد آلبرت آينشتاين على أهمية الحياة البسيطة لصحة العقل والجسد، كان يعي أن «التجرّد» هو ما يولّد العبقرية.