في أواخر القرن العشرين، اكتشف علماء الأنثروبولوجيا مدخلاً لكهف على الساحل الوعر لجنوب اليونان. على بُعد خطوات من ذلك المدخل وجد العلماء حفرتين غامضتين بهما جماجم بشرية. كانت تلك الجماجم مُدمرة بفعل عوامل التعرية، ومختلطة بطبقات من تربة الكهف، ما جعل استخراجها صعباً للغاية. لكن بعد جهد دام لعامين، نجح العلماء في استخراجها ونقلها إلى المعامل المختصة.

لعقود من الزمان ظلت تلك الجماجم على الرفوف، دون معرفة هويتها. والآن، يشير أحدث تحليل لشكلها وصفاتها الموروفولوجية، إلى أنها تمثل أحد أبناء جنسنا «الهومو»، كما أن فحصها باستخدام تقنيات التأريخ أكد أمراً مفاجئاً، فالحفرية لشخص عاش في اليونان منذ أكثر من 210 آلاف عام، ما يجعل تلك الحفرية ـ حسب النتائج التي نشرتها دورية نيتشر العلمية ـ أقدم حفرية معروفة إلى الآن، لجنس الإنسان العاقل هومو، في القارة الأوروبية.

يُعد ذلك الاكتشاف كبيراً بحق، فحتى الآن، لم يكن العلماء يعرفون أن جنس الهومو هاجر إلى القارة الأوروبية في ذلك التوقيت المبكر. فالبقايا التي اكتشفت على مدى السنوات الماضية تؤكد أن الإنسان الحديث عاش في القارة قبل أقل من 45 ألف سنة فقط، إلا أن الباحثين في تلك الدراسة يقولون إن عمر الجمجمة أكبر بأربعة أضعاف الفترة التي كان العلماء يتوقعونها سابقاً.

ومن المرجح أن يُعيد البحث ترتيب جميع السيناريوهات الخاصة بالكيفية التي انتشر بها البشر في أوروبا، وقد يعيد أيضاً كتابة النظريات الأساسية حول تاريخ جنسنا البشري.

وتُعزز الحفرية الجديدة وجهة نظر ناشئة مفادها أن جنسنا البشري هاجر من أفريقيا في موجات عدة، في وقت أبكر بكثير مما كان يعتقد سابقاً، وهو ما يعني أن البشر من جنس الهومو قاموا بغزوات إلى مناطق يسيطر عليها البشر البدائيون من أبناء عمومتنا المنقرضين من جنس النياندرتال.

وبحسب ما يقول عالم الأحياء القديمة في جامعة نيويورك إريك ديلسون، في تصريحات خاصة لـ «الرؤية»، فإن ذلك الاكتشاف «مهم وكبير للغاية»، إذ إن الدليل ـ على الرغم من كونه مجرد شظية من الجزء الخلفي للجمجمة ـ يُحدد بشكل نهائي وجود الإنسان العاقل في القارة الأوروبية في وقت مبكر للغاية، وبينما كان يسيطر إنسان النياندرتال عليها.

وكانت جنوب شرق أوروبا في ذلك التوقيت نقطة التقاء ساخنة للبشر القدماء، فالمنطقة على مفترق طرق بين القارات الثلاث ـ أفريقيا وآسيا وأوروبا ـ وتتمتع بمناخ معتدل نسبياً، كما تموج بغابات ووديان تُسهل من عملية استيطان الجماعات البشرية، وعلى الرغم من ذلك، لم يوجد أي أدلة في الماضي على غزو البشر لتلك المنطقة إلا قبل نحو 45 ألف عام.

وظهرت الجمجمة لأول مرة عام 1978، عندما اكتشف علماء من كلية الطب بجامعة أثينا اليونانية كهفاً يدعى «أبديميا». ووجدوا فيه زوجاً من الجماجم معلقة على صخرة. تتكون حفرية الجمجمتين من 66 شظية من الجزء الخلفي.

ولم تتوافر طيلة الأعوام الماضية فرصة لفحص الجمجمة وتحديد عمرها، وفي تلك الدراسة، قام العلماء بمحاولات لفحص عمر الجماجم، ليجدوا أن إحدى الجمجمتين يبلغ عمرها 160 ألف عام. فيما يبلغ عمر الأخرى 210 آلاف عام.

وبإحالة الجمجمتين إلى علماء التشريح، وبدراسة خواصهما، وجد العلماء أن إحدى الجمجمتين تنتمي بما لا يدع مجالاً لأي شك إلى جنسنا الحالي. وليس إلى إنسان النياندرتال الذي وصل إلى أوروبا قبل نحو 400 ألف سنة.

الدكتورة كاترينا هارفاتي، المُعدة الرئيسة للدراسة الجديدة، التي فحصت أشكال الأحافير عن طريق تقنيات الأشعة المقطعية كما حللتها باستخدام برامج حاسوبية معقدة قالت، في تصريحات خاصة لـ «الرؤية»، إنها «أدركت منذ اللحظة الأولى أنها أمام اكتشاف كبير وملهم»، فإعادة تجميع «وجه الأحفورة» جعلها تتأكد من كونها تتعامل مع «شيء مختلف سيغير من الفهم السائد للهجرات البشرية على الإطلاق».

تقول هارفاتي إنها قامت بتأريخ الحفريات بطريقة تعتمد على التحلل الإشعاعي لليورانيوم الطبيعي في البقايا المدفونة. ووجدت الاختبارات أن الجمجمة الأولى عمرها لا يقل عن 170 ألف عام، وتنتمي لجنس النياندرتال. أما الجمجمة الثانية فتنتمي لجنس الإنسان العاقل، ويبلغ عمرها 210 آلاف عام على الأقل، فيما يصل عمر الصخور إلى أكثر من 150 ألف عام. ويقول العلماء إن اختلاط الجمجمتين يعني وجود تدفق طيني في الكهف، غمر الجمجمتين في وقت واحد، وخلط عظامهما معاً.

وتلقي الدراسة الحديثة مزيداً من الضوء على احتمالات جديدة كُلياً، فإذا غادر البشر المعاصرون الأوائل قارة أفريقيا قبل 210 آلاف عام، فهذا يعني أنهم ربما استقروا في بلاد الشام قبل ذلك التاريخ بفترة طويلة، ثم توسعوا غرباً إلى أوروبا، التي كانت موطناً بالفعل للنياندرتال. وفي العام الماضي، تم العثور على حفرية بشرية حديثة يرجع تاريخها إلى ما يقرب من 200 ألف عام في كهف المسلية شمال فلسطين. وهذا يعني أن رواداً بشريين مبكرين قد يكونون وصلوا إلى أوروبا عبر ذلك الطريق، إذ حل الإنسان العاقل محل البشر البدائيين في ذلك التوقيت.

إلا أن بعض العلماء يقولون إن الادعاء الكبير بوجود الإنسان العاقل في أوروبا قبل 200 ألف عام بحاجة إلى مزيد من الأدلة، ففي تصريحات نقلتها دورية «ساينس» العلمية، يقول عالم الجيولوجيا بمركز «بيركلي» وارن شارب، إنه غير مقتنع أن الجمجمة تنتمي لجنس الإنسان الحديث فـ «الحفرية مجزأة وغير مكتملة ولا يُمكن أن تدعم الادعاء القوي، ففي العلم تتطلب الادعاءات الاستثنائية أدلة غير عادية، والشظايا التي تم فحصها تفتقد القاعدة القحفية وأجزاء من الوجه، ما يجعلها دليلاً غير استثنائي» على حدّ قول وارن في تصريحاته لدورية ساينس.