لا تتعلق أهم التغييرات التي تحدث الآن في المؤسسات الصحافية الكبرى بتطوير وتحسين المحتوى فقط، أو البحث عن أفكار للموضوعات، ولكنها في الأغلب تتعلق بدمج التكنولوجيا الحديثة في العمل اليومي، وهذه المرة فإن التكنولوجيا تصل إلى عملية كتابة الأخبار والقصص نفسها، اليوم يغطي «الروبوت الصحافي» الكثير من الموضوعات، بداية من نتائج المباريات الرياضية، وحتى الجريمة والسياسة، وإذا صدقت توقعات الخبراء في هذا الإطار، فإنه من المتوقع أن تؤدي «الروبوتات» الكثير من الأعمال الصحافية داخل غرفة التحرير.

ما نتحدث عنه ليس نوعاً من الخيال العلمي، حالياً فإن ما يقرب من ثلث المحتوى الذي تنشره وكالة «بلومبيرغ» الإخبارية يُنتج بواسطة أنواع من التكنولوجيا الآلية عبر نظام يسمى «سيبورغ» يقوم بالمساعدة في إنتاج آلاف التقارير حول الأرباح السنوية للشركات، أما وكالة «أسوشيتدبرس» فتستخدم «المراسل الآلي» لكتابة التقارير حول لعبة البيسبول، بينما تستخدم «واشنطن بوست» هذه التقنيات في تغطية نتائج رياضة كرة القدم في المدارس الثانوية، وتستخدم «لوس أنجلوس تايمز» الكتابة الآلية في تغطية أخبار الزلازل، أما مجلة فوربس فهي تختبر أداة تسمى «بيرتي» لتزويد المحررين بالمخططات الأولى وقوالب العمل.

ورغم تلك التجارب والنماذج، إلا أن العمل الصحافي الحقيقي لا يزال في مأمن من المنافسة القوية مع الآلات، وعلى الرغم من الوتيرة السريعة للتطور التكنولوجي، يبقى الروبوت بعيداً جداً عن إقامة العلاقة مع المصادر، أو تقديم تحليل عالي المستوى، أو كتابة قصة صحافية متكاملة ذات أسلوب مميز. ولكن مع قيام المؤسسات الإعلامية بالدمج المتزايد لعمليات الذكاء الصناعي في عملياتها اليومية، أصبح من الواضح أن صناعة الإعلام ليست في مأمن كامل من التغير الواسع.

ما يكتبه الروبوت حالياً يتركز في العمليات الروتينية التي يسهل أداءها آلياً، والتي كانت تستنزف الكثير من جهد ووقت الصحافيين فيما سبق، وربما يكون أبرز نموذج لهذا العمل هو تقارير أرباح الشركات ربع السنوية، ففي زمن ماض كان صحافيو وكالة «أسوشيتدبرس» ينتظرون صدور هذه التقارير في الساعات الأولى من الصباح للعمل على إطلاق نسخة صحافية في أسرع وقت ممكن.

ولكن هذا الأمر لم يعد يحدث الآن، فمنذ عام 2014 قامت الوكالة بأتمتة العملية بأكملها، وحالياً تقوم البرمجيات بمراقبة تقارير الشركات وكتابة قصة للمشتركين في وقت لا يتجاوز خمس دقائق، ما يعني أنها تتم أسرع من أي مراسل صحافي. وبالمثل، أتمتت الوكالة تغطيتها لنتائج بطولة الشباب لرياضة البيسبول، ودوري كرة السلة للجامعات. وتتوقع الوكالة أن يصل عدد القصص المنشورة من إنتاج «الروبوت» إلى نحو 40 ألف قصة إخبارية بنهاية العام الجاري، ومع ذلك لا يزال هذا الرقم يمثل نسبة صغيرة للغاية من إنتاج الوكالة الذي يصل إلى أكثر من 700 ألف قصة تنشرها الوكالة كل عام.

أسلوب الكتابة الآلية بدأ يعرف طريقه إلى الصحافة الأوروبية أيضاً، حيث استخدمت وكالة الأنباء النمساوية البرمجيات في التغطية الإخبارية خلال انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة، لسرعة نشر القصص القادمة من أكثر من 2000 بلدية في النمسا. أما وكالة الأنباء النرويجية فهي تنشر قصصاً تم إنشاؤها آلياً عن منافسات كرة القدم منذ ثلاث سنوات، كما أنها تخطط لتوسيع نطاق التغطية لتشمل منافسات المدارس الثانوية بما يصل بحجم التغطية الآلية إلى 170 ألف مباراة في العام.

وبغض النظر عن الموضوع الذي تتم تغطيته آلياً، فإن طريقة العمل متشابهة إلى حد كبير، ففي البداية يحدد الصحفيون مجموعة البيانات المستخدمة والموثوقة، ثم يتعاونون مع المبرمجين لكتابة «نموذج ثابت» يوضح ما تحتاج القصة إلى قوله، وكيف يفترض أن يكون «التون» أو الصوت، وما هي الاختلافات المحتملة التي يجب أن تتوافر بها: هل «ارتفعت» أرباح الشركة أم «انخفضت»؟ على سبيل المثال. وبعد معالجة أي خلل في التجارب، يتم إطلاق البرنامج لكتابة القصص الإخبارية، ولكن هذا الأمر لا يعني أن عمل الصحافيين قد انتهى، ففي أسوشيتدبرس على سبيل المثال، لا يزال تحرير عناوين القصص المنتجة آلياً يتم عبر الصحافيين، إضافة إلى تحسين الكلمات واللغة، وتطوير «نماذج الكتابة الآلية» وتحديثها.

تطوير النماذج الآلية مسألة شديدة الأهمية، لأنه إذا قررت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تعديل قانون الضرائب بها، عندها يجب على فريق التحرير لقطاع الاقتصاد أن يأخذ قراراً بإيقاف نشر القصص الأتوماتيكية حتى يتم تعديل النموذج العام، لأن القصص التي ستخرج دون تعديل سوف تحتوي معلومات خاطئة بكل تأكيد.

وبعيداً عن عملية كتابة الأخبار، نقلت الصين الموضوع خطوة أخرى للأمام بتقديم أول مذيع أخبار «افتراضي» العام الماضي، وهو عبارة عن روبوت بشكل بشري يعمل بتقنيات الذكاء الصناعي ويتمكن من قراءة الأخبار بشكل يحاكي إلى حد كبير المذيع الحقيقي مع حركة الشفاه والتعابير نفسها، وقامت وكالة الأنباء الصينية الرسمية «شينخوا» باستخدام نموذج آخر عبارة عن مذيعة أنثى ظهرت في مارس هذا العام لتقرأ الأخبار السياسية بدرجة تحاكي الواقع بشكل كبير.

بعض الشركات بدأت في استكشاف إمكانية تقديم تقارير رقمية آلية، ومنها على سبيل المثال خدمة Radar، وهي «خدمة إخبارية آلية» تقدم لنا لمحة عن مستقبل الصحافة التي يدعمها الكمبيوتر. اسم الخدمة مستوحى من الحروف الأولى لجملة «مراسلون وبيانات وروبوتات» والتي تم إطلاقها عام 2017 كجهد مشترك بين نقابة الصحافيين الإنجليزية وإحدى الشركات الناشئة، إضافة إلى دعم من مبادرة «غوغل» للأخبار.

وتهدف هذه الخدمة إلى الاستفادة من البيانات العامة الهائلة التي تصدرها الحكومة البريطانية ولا تستفيد منها الصحافة بالشكل الأمثل، وتبدأ القصة التي تنتجها تلك الوكالة التجريبية بالفكرة، حيث تجتمع مجموعة من المحررين على دراسة البيانات المتاحة والبحث عن شيء مثير للاهتمام بها للانطلاق منه، وبمجرد تحديد الفريق موضوعاً يستحق العمل عليه، مثل عدد المرات التي تتأخر فيها سيارات الإسعاف في أنحاء المملكة المتحدة على سبيل المثال، قد يقوم الصحافيون بإجراء عدد من المكالمات الهاتفية أو المقابلات بحثاً عن السياق الأوسع للفكرة، وبعدها تبدأ عملية الأتمتة، حيث يقوم المراسل بكتابة «النموذج العام للقصة» والذي سيسمح لهم بإنتاج المئات من المقالات الفردية من مجموعة بيانات واحدة، وفي المثال المذكور تكون الإشارة لمعدلات تأخير سيارات الإسعاف ومقارنتها بالمعدل العام على المستوى الوطني. يقوم المراسلون بإضافة بعض التحليلات، وتغذية البرنامج بها، ليقوم البرنامج بإنتاج مئات المقالات «المحلية» التي تقدمها الخدمة لمشتركيها.

تدخل المحرر البشري في عملية الإنتاج الآلي تعني توسيع معدلات الإنتاج مع الاحتفاظ بالجودة، ويتوقع الخبراء أنه خلال السنوات القليلة المقبلة ستقوم غرف الأخبار ببناء «مكتبات النماذج» ما يمكنها من إنتاج القصص بسرعة، أو إنتاج نسخ مختلفة من القصص لنوعيات مختلفة من الجمهور.