تفوح أروقة وطرقات مدينة جدة التاريخية بعبق الماضي وحضارة الأجداد، لتسرد تفاصيل وأسرار حكايات تعيها ذاكرة المكان عبر بواباتها التاريخية وأسوارها العتيقة وحاراتها التي تحيل العابرين إلى مراحل تاريخية شتى، فضلاً عن المساجد القديمة والأسواق الشعبية التي لا تزال تعج بالزوار وتحظى باهتمام أهل المدينة.

وتعتبر «جدة التاريخية» متحفاً مفتوحاً ليس على الماضي والحاضر فحسب، بل على المستقبل أيضاً، من خلال جهود صون التراث وتناقله بين الأجيال، إذ تشمل أكثر من 600 معلم تراثي تضرب بعمق ما يزيد على 3000 عام من تاريخ الحضارة الإنسانية، فهي بمثابة حافظة التراث الذي يحكي تاريخ جدة بصورة حية، ما أهلها للانضمام إلى قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، بمعالمها التاريخية الثرية ومنها سور جدة، الحارات التراثية، المساجد التاريخية، الأسواق التقليدية، بيت نصيف، وواجهات البيوت المتلاصقة.

«بيت نصيف»

يحظى المتجول في مدينة جدة التاريخية بفرصة لزيارة «بيت نصيف» وسط جدة، وهو أحد أهم المعالم الأثرية، واكتسب أهمية منذ أن نزل الملك عبدالعزيز في ضيافة الشيخ عمر نصيف، وفيه بايع أهل جدة الملك عبدالعزيز، رحمه الله، عام 1925. ويعود بناء البيت إلى سنة 1289 هجرية، واستمر بناؤه عشرة أعوام، وأهداه عمر نصيف للدولة التي بدورها رممته أكثر من مرة.

عمارة حجازية

وحين ينهي الزائر جولته في «بيت نصيف» يخرج إلى الحارات الرحبة التي تتقابل فيها البيوت البلدية في جدة القديمة وتوثق لفن معماري وهندسي متميز، وتندرج ضمن النمط المعماري السائد في منطقة الحجاز الذي يتسم بالقوة والمتانة والصلابة، ويتخذ شكلاً يدل على الهيبة والشموخ والصمود.

حارات عتيقة

يرى الناظر إلى هذه البيوت واقع التراث السعودي الأصيل المتوزع في حواريها الأربع العتيقة، ومن أشهر تلك البيوت «دار آل نصيف، دار آل جمجوم فـي حارة اليمن، دار آل باعشن وآل قابل، مسجد الشافعي فـي حارة المظلوم، دار آل باناجة وآل الزاهد فـي حارة الشام»، وظل بعضها باقياً وشاهداً على التاريخ حتى الآن.

مساجد تاريخية

تزدان المدينة بمجموعة من أشهر المساجد التاريخية مثل مسجد عثمان بن عفان، ويسمى باسم مسجد الأبنوس، ومسجد الباشا الذي شيد سنة 1735 ميلادية، ومسجد المعمار الذي بني في 1384 هجرية، ومسجد عكاش الذي شيد قبل 1379 هجرية.

أسواق تراثية

ويلحظ المتجول في أرجاء المدينة التاريخية تلاصق البيوت العتيقة وأبوابها الخشبية ونوافذها الناطقة بالحياة التي مازالت صامدة حتى يومنا هذا، كما تأخذه الأزقة الضيقة المتعرجة في جولة بين الأسواق التراثية التي تسرد حكايات الماضي الجميل، ومن أشهرها «سوق العلوي، البدو، قابل، والندى».

مأكولات تقليدية

وبعد يوم من التجوال في أرجاء المدينة التراثية الساحرة، يبلغ الجوع من الزائر مبلغه، فيجد عند باعة المأكولات والوجبات التقليدية والمطاعم التراثية المنتشرة بين الحارات ما يرضي ذوقه، وعلى الجانب الآخر يوجد باعة البليلة المعروفة عند أهل الحجاز منذ زمن قديم، وتضاف لها أشكال وألوان ليصبح مذاقها أشهى، كما تنتشر في الأسواق عربات تقدم الوجبات الخفيفة والقديمة والعصائر والحلوى الحجازية.

سور جدة

وعند انتهاء الجولة الداخلية في المدينة، يشاهد الزائر لحظة خروجه «سور جدة» الذي يحيط بها من جميع جهاتها، ويتخلله سبع بوابات ربطت جدة بالعالم خارجها، وهذه البوابات السبع بنيت على مراحل وفق الضرورة وهي: «باب مكة، باب المدينة، باب شريف، باب جديد، باب البنط، وباب المغاربة»، وأضيف إليها في بداية القرن الحالي باب جديد هو «باب الصبة».

توثيق الحضارة

قال المرشد السياحي السعودي الدكتور ناصر بن محمد الشريف، إن مدينة جدة التاريخية تحتضن طيفاً واسعاً من الفعاليات والأنشطة الترفيهية والتراثية التي تأتي ضمن «موسم جدة»، لتسرد تاريخ المكان وقصص سكان المدينة التي يروونها مباشرة على مسامع الزوار.

وأضاف أن المدينة تحفل بمعالم تراثية وسياحية كثيرة وما زالت تحتفظ بذكرياتها التليدة وتوثق لحضارة المملكة العربية السعودية، مبيناً أن عمر المدينة يزيد على 3000 عام، ونشأت فيها شخصيات ثقافية وعلمية واقتصادية شهيرة أسهمت في تطوير المشهد التعليمي والحضاري للمملكة.

عادات وتقاليد متوارثة

أكد المرشد السياحي ناصر الشريف أن المدينة تضم مجموعة كبيرة من محال الأقمشة التي يصل عددها إلى 200 متجر متخصص، إضافة إلى متاجر متخصصة في العطارة الشعبية متراصة في شارع يطلق عليه «حي العطارين»، مؤكداً أن سكان المدينة ما زالوا متمسكين بعاداتها وتقاليدها المتوارثة، ويحرصون على تزيين منازلهم بالأنوار وارتداء لباس أهل الحجاز، وآخرون يرددون الأهازيج ترحيباً بالزوار.