مهما كانت صورنا ـ وإن بدت لنا قبيحة، أو مشوهة أو ناقصة ـ فهي جميلة، أوَّلاً: لأننا كائنات مختلفة عن غيرها في العالَمِيْن، الدنيوي المتغير والأخروي الثابت والخالد، فقد خُلقت تلك الصورة من طين وانتهت إلى ما هي عليه الآن بقدرة العزيز الحكيم.

وثانياً: لأن الطريق إلى القلوب والأفئدة ـ وأحياناً العقول ـ يمر حتماً عبر الأجساد، الظاهرة في صورنا، لذلك نواجه اليوم تهديدات تتعلق بالوجود، حين غدت الصورة هوانا ومبتغانا ومظهرنا، وأظهرت ما هو خفي منذ قرون في كشف غير مقبول للعورة من كثرة اللهفة إلى إبراز صورنا الحقيقة والوهمية.

نحن مضطرون اليوم ـ حبّاً أو كُرهاً ـ إلى الحديث عن صورنا من موقع التنافس القائم بيننا كبشر لدرجة الهوس، ونتيجة لذلك غابت حالة التمايز بيننا، كما نرى ذلك على سبيل المثال في عمليات التجميل بحثاً عن شفاه غليظة، بل ومناطق أخرى في الجسم تظهر انتفاخاً منفراً إلا لمرضى الذوق وما أكثرهم اليوم، ومن الطبيعي أن يترتب عن ذلك حال من الإجماع لذوق عام فاسد، يبدأ من تشكل الأجسام، وتعدد صورها وينتهي عند الكلمات ومقاصدها، حيث لغة الخطاب من الجسد وإليه، وتبعاً لذلك تغيرت مشاعر التعبير عن الحب، فلا هيام بعد اليوم، وإن حدث وبدا لنا حضوراً فهو أقرب إلى تكريس لوهم الأشياء والعلاقات والأفعال بعيداً عن حقائقها.

بالله عليكم، أيهما أكثر جاذبية للهيام والعشق، صورنا المكشوفة المهددة للوجود التي نعتقد وهماً أنها معبرة عن جمالنا، أو قول امرئ القيس في معلقته:

تَـقُـولُ وقَـدْ مَـالَ الـغَـبِـيْـطُ بِـنَـا مَعاً

عَقَـرْتَ بَعِـيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْـزِل

فَـقُـلْـتُ لَـهَـا: سِـيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـه

ولاَ تُـبْـعـدِيْـنِـي مِـنْ جَـنَـاكِ الـمُـعَـلَّـلِ

قد يأخذنا التأثر بهذا الموروث ـ الشعري ـ الثقافي، فنبحث عن الجنان المعلل في السياسة والاقتصاد والمعرفة بشكل عام، فنطوع أنفسنا لصيغ الجمال بعيداً عن تشويه العيادات ومراكز التجميل، ولا مظاهر الزينة في أثواب غالية لكنها ممزقة، أو في عيون أبعدتها تلك العيادات عن الحور فلم تعد ساحرة ولا جاذبة ولا مبصرة، وحتى إنها ليست ناظرة، وحين نعود محملين بعجز في البحث، وفشل في الوصول إلى مواقع وموانع تشتهيها الأنفس، نعترف عنها بوجود تهديد حقيقي لصورنا وأفئدتنا وعقولنا وأفعالنا ومواقفنا، وعندها نَحِنُّ إلى زمن امرئ القيس وحبيبته.