لم تتجرّأ ذبابة على دخول حديقة دون إذنٍ منها.. هكذا وصف أحدهم سطْوة المافيا الإيطالية.

تأسَّست عصابات الجريمة المنظمة الإيطالية «المافيا» في القرن التاسع عشر، وفي ذلك الطريق الطويل سطَعَ اسم المافيا في كتب السياسة والتاريخ بسبب دورها في الحرب العالمية الثانية.

في أوائل القرن العشرين أصبحت المافيا الإيطالية عابرة للحدود.. لقد عبرتْ المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة ضِمن موجات الهجرة، وهناك - في العالم الجديد - تشكّلت المافيا الإيطالية الأمريكية، والتي نشطتْ في شيكاغو ونيويورك. استطاعت السلطات تحجيم نشاطها والتضييق عليها، ولمّا نشبت الحرب العالمية الثانية احتاجت واشنطن إلى أن تستخدم الداخل الإيطالي لدعم العمليات العسكرية لقوات الحلفاء ضد قوات المحور، وكان من بين وسائل التحالف استخدام المافيا الإيطالية للعمل ضد حكم موسوليني.

يكاد يجمع المؤرخون على دورٍ للمافيا في إسقاط الفاشية، لكن ذلك بالطبع لا يعدو أنْ يكون مجرَّد تكتيك في الاستراتيجية الكبرى للحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

بعد الحرب أصبحت المافيا أكثر قوة وثقة، ثم تحدَّثت الصحف عن قيام المافيا باغتيال قضاة ورجال جيش وشرطة وصحافيين ورجال أعمال وأعداد كبيرة من المواطنين.. إنها ليست مافيا واحدة، إنما عدة عصابات للجريمة المنظمة. وحسب «بي بي سي» تقدّر المباحث الفيدرالية الأمريكية إجمالي أعداد المنضمين للمافيا الإيطالية بأكثر من (25) ألف عنصر، وهو ما يزيد على أعداد القوات المسلحة في بعض الدول الأفريقية، ولكن الأخطر هو أنّه يرتبط بهذه المافيا أكثر من ربع مليون شخص حول العالم! وحسب FBI هناك مافيا صقلية (كوزا نوسترا) ومافيا نابولي (كامورا)، ومافيا كالابريا (ندرانغيتا)، ومافيا بوليا، يزيد عُمر مافيا صقلية عن الـ 100 عام، وهى المافيا الرئيسة، وهى تجني أموالًا هائلة من تجارة الهيروين، وأمّا مافيا كالابريا فهي تستحوذ على (80 في المئة) من تجارة الكوكايين في أوروبا.

تحاول السلطات أن تدمِّر هياكل المافيا، وقد نجحت الشرطة في أربع دول أوروبية هي: إيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا في عملية اقتحام واعتقال متزامن أثرت كثيرًا على أدائها، كما أن القبض على زعيم مافيا صقلية أدّى - حسب وزير الداخلية الإيطالي - إلى تفكيك هيكل القيادة.

لقد اندهشَ العالم وهو يتابع جنازة زعيم مافيا روما، حيث تم إلقاء ورد من الطائرة، وإطلاق موسيقى فيلم الأب الروحي.. وكتب المشيّعون على اللافتات: «لقد غزوتَ روما، والآن تغزو الجنّة»! يا لها من جملةٍ صادمةٍ.. أن يتصوّر البعض نجاحهم في غزو الدنيا، ثم يتوهمون قدرتهم على غزو الآخرة.. إنّه ذلك الغرور الشديد الذي باتَ يصيب عصابات الجريمة المنظمة، فامتلاك عدد كبير من المسلحين وتمدّد جغرافيا النشاط عبر بحار ومحيطات، ونجاح هذه العصابات في ربط خيوطٍ سياسية مع ساسة ومشرّعين، قد أسس لذلك الشعور بالقوة المفرطة.. وبأنها باتت تشكل دولة موازية.

لقد مثلّت الجريمة المنظمة والإرهاب أكبر مصدرين لتهديد الأمن القومي للدولة الوطنية.. ولا يزالان.