في صمت، رحل عنا أستاذ الفلسفة الحديثة د. إمام عبد الفتاح إمام، وترك لنا أكثر من 100 كتاب؛ في مختلف جوانب الفلسفة تأليفاً وترجمة.

تخصص إمام في فلسفة هيغل؛ تحديداً المنهج الجدلي عن هيغل، وقد دفعه أستاذه د. زكى نجيب محمود إلى هذا الجانب، لأن محمود كان متخصصاً في الوضعية المنطقية وبشر بها في حياتنا الثقافية والنقدية، لكنه لاحظ في بدايات الستينيات كثرة الرطانة ببعض مصطلحات هيغل، دون تعمّق فيها أو فهم صحيح لها؛ وهكذا أراد أن يتيح المعرفة المتخصصة والمتعمقة بفلسفة وأفكار هيغل.

واستفسرت من د. زكى: لماذا لم يدفع تلميذه إلى الوضعية المنطقية مثله؟، فقال له: «لا أحب أن يكون تلاميذي صورة مني»، فضلاً عن أننا يجب أن نرسى دعائم التعدد والتباين في رؤانا الفكرية، وكان إمام عند حسن الظن به والتوقع منه، فبعد أن انتهى من رسالته نقل إلى العربية كتاب «ستيس» عن فلسفة هيغل، وهو مرجع ضخم يحمل عرضاً وافياً لتلك الفلسفة التي شكلت وجه الفكر المعاصر كله، ثم اتَّجه إلى ترجمة بعض أعمال هيغل مثل محاضرات في فلسفة التاريخ وظاهريات الروح وغيرها؛ وبفضل هذه الجهود بات هيغل متاحاً للقارئ العربي في مصادره الأساسية؛ وبعده جاء مجاهد عبدالمنعم ونقل إلى العربية كتاب هيغل «فلسفة الدين».

وسط هذا كله ترك إمام عبدالفتاح هيغل واتجه لدراسة «كيركجور والوجودية»، ثم توماس هوبز صاحب فكرة «المستبد العادل» التي ينسبها البعض إلى الشيخ محمد عبده، ويلصقونها بالفكر العربي ثم صدر كتابه «الطاغية» في أعقاب غزو صدام حسين للكويت، يشرح فيه فكرة الطغيان والطغاة عبر التاريخ، وقد شاعت شهرة هذا الكتاب؛ وبات د. إمام يذكر به دون غيره من الكتب، صدرت منه حتى الآن سبع طبعات، واتجه في سنواته الأخيرة إلى دراسة الفكر السياسي الإسلامي؛ وكان منزعجاً بشدة من تيار الإسلام السياسي الذي يلون الإسلام بمنظاره ويأخذه بعيداً عن غاياته السامية.

سألته مرة: لماذا تركت هيجل؛ فرد: بأنه لم يرغب في أن يعيش أسير فيلسوف بعينه، وترك المجال أمام الدارسين من بعده لمواصلة الطريق.

هذا رجل تعامل بإخلاص وجدية مع الدراسات الفلسفية، وأعطى حياته كلها وعمره لها، وعاش بعيداً عن الأضواء؛ قابعاً في مكتبته بمنطقة المريوطية يعمل ليل نهار، حتى داهمه المرض في سنواته الأخيرة. ورحل إلى بارئه في 18 يونيو الماضي.