عم يتحدث الإنسان عندما يهيم على مدى ثلاثة أيام في البحر المتوسط، ماسكاً لوحاً خشبياً؟

«على أي حال لن يتحدث عن مستقبله الرياضي»، حسبما رأى مامادو، مقطباً وجهه للمرة الأولى منذ ساعة، وأضاف: «تتحدث عن كل شيء ممكن، وتحاول البقاء متيقظاً، لأنك إن تركت اللوح مُت».

غاص الشاب البالغ من العمر 16 عاماً مرة أخرى في عالم أفكاره، ناظراً إلى الأرض، قارضاً أصابعه المرتعشة، بشكل مضطرب.

كان مامادو، ذلك الشاب القادم من مالي، يجلس في تمام الساعة الخامسة صباحاً، هو و85 شاباً آخرين، في زورق، على شاطئ مدينة زوارة الساحلية، مستعدين للانطلاق نحو أوروبا.

يريد مامادو أن يصبح محترفاً لكرة القدم، انطلق القارب بعد سبع ساعات، وضربت الأمواج الزورق، ما تسبب في ذعر بين الركاب، وانقلب المركب.

كان مامادو يجلس على أرضية الزورق الذي عُزز بلوح خشبي.. ظل مامادو ممسكاً بهذا اللوح عندما سقط في المياه، ومعه ستة آخرون، بينما كان أحد المهاجرين الـ 86، الذين معه، يختفي مع كل موجة جديدة، ظل مامادو ممسكاً باللوح الخشبي على مدى ثلاثة أيام، إلى أن عثر عليهم قارب صيد تونسي.

عندها أصبحوا أربعة مهاجرين فقط، سيموت منهم شخص آخر في المستشفى، إذا افترضنا أن ما حدث كان مباراة لكرة القدم، فإن النتيجة كانت ستكون واضحة: 83 مقابل 3، لصالح البحر المتوسط.

لم تكد تمضي على الكارثة سوى بضعة أيام، حتى بدأ البحر يجرف أولى الجثث إلى الشاطئ.

عثر رجال الإغاثة على 16 متوفياً، في جربة، تلك الجزيرة التي يفضلها السائحون في قضاء عطلتهم الصيفية، والتي ستعاود السياحة فيها النشاط، أخيراً، في هذا الموسم الصيفي.

تقع بلدة جرجيس الصغيرة جنوبي تونس، بين الحدود الليبية وجربة، حيث يستجم السائحون القادمون من كل أنحاء العالم، ويرقصون على موسيقى تكنو سيئة.

وجربة هي الجزيرة التي ألقت إليها الأمواج بالملك أوديسوس، أثناء تيهه عبر البحر المتوسط.

يفصل بين جربة واليابسة سد طوله نحو خمسة كيلومترات.

رغم تراجع العدد الإجمالي للاجئين، أصبحت رحلة عبور البحر تمثل خطورة أكبر بالنسبة للذين يقدمون عليها.

وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية فإن 682 شخصاً غرقوا هذا العام في البحر المتوسط، «وهذه ليست سوى الأعداد الرسمية فقط»، حسب الطبيب سليم.

وبينما يتناقش الأوروبيون بشأن توزيع المهاجرين وتشديد الحدود الأوروبية، هناك خلاف بين البلديات في تونس، بشأن البلدية التي يتوجب عليها دفن الموتى.

أعلنت بلديات جنوب تونس، مطلع الأسبوع الجاري، عزمها عدم قبول الجثث، «حيث تقول بعض البلدات إن المقابر الموجودة لديها مخصصة للمسلمين فقط»، ولكن من الذي يستطيع معرفة ما إذا كانت الجثة التي جرفتها الأمواج جثة مسلم؟