كثير من كبار المبدعين كرهوا السياسة.. اقترب البعض منها على مضض، وفُرضت على البعض الآخر عن غير رغبة.. سألت يوماً شاعرنا الكبير نزار قباني، ونحن نتغدى في بيته بلندن: ماذا فعل بك الشعر السياسي وقصائدك النارية التي هاجمت فيها زمن القبح العربي؟

قال نزار: «ليتني ما عشت زمن القبح، وليتني ما كتبت شيئاً في هجاء الواقع السياسي العربي، إن أكثر الأشياء التي تسيء للشعر قربه من السياسة، لأنه أحياناً يتحول إلى منشورات ودعوات أيديولوجية.. كنت أتمنَّى أن أظل مغرداً في عالم الحب، لأن شعر الحب لا يفنى، ولكنني أشك في أن تبقى قصائد السياسة.. أعترف بأنني نادم على شعري السياسي».

قلت لنزار: لا شك في أن السياسة تفسد الإبداع، وفي تقديري أن الواقع السياسي العربي ينقسم إلى مراحل وكذلك الشعر، فهناك فترات نضال شعري لتحرير الشعوب من براثن الاستعمار، فأبيات هذا الشعر عكست إرادة الشعوب فعاشت طويلاً، متحديةً الزمن والأحداث، كالأشعار الوطنية التي نُحتت في قلوب وضمائر الأمم، ولهذا ينبغي أن نفرق بين الشعر السياسي والشعر الوطني، فالشعر السياسي صرخات ضد القبح والاستبداد، بينما الشعر الوطني دعوة لحب الأوطان والدفاع عنها.. إن قصيدة «إذا الشعب يوماً أراد الحياة» لشاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي كانت أغنية الشباب في ثورات ذلك الوقت.. ولا تزال قصائد محمود درويش دماً ساخناً يتدفق في قلوب الشعب الفلسطيني، وحتى الآن ما زالت قصيدة علي محمود طه: «أخي جاوز الظالمون المدى» تحكي مأساة أمة في حرب فلسطين.. هذه الأغاني والقصائد الوطنية تتردد في ضمائر الشعوب وتعيش في وجدانها، ولهذا يُعمر ويعيش الشعر الوطني، أما الشعر السياسي فسوف تهزه موجات عنف من النسيان.

وكان نزار قباني يتمنّى أن يبقى طيراً مغرداً في حدائق الحب، فلم يكن سعيداً بقصائده السياسية، التي كشف فيها مظاهر القبح العربي في فترة جمعت التناقضات، ما بين أحلام لم تتحقق، وهزائم تركت آثارها على وجه الشعوب والأوطان.

وكان قد كتب قصيدة دامية في نكسة 67، قصيدة كانت سبباً في القطيعة بينه وبين مصر، إلى أن تدخل محمد حسنين هيكل وأعاده مرة أخرى إلى المحروسة، ليُغني له عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة أرقى ألحان محمد عبدالوهاب، واختتم مشواره مع أم كلثوم برغبة منه لتُخلد «أصبح عندي الآن بندقية».

اتفقُ كثيراً مع رؤى نزار قباني في الشعر السياسي، لأنه مرتبط ومتعلق بالأحداث والأشخاص، فإذا رحلوا انتهى كل شيء، إن قصائد المتنبي لم تكن شعراً سياسياً ولكنها في حقيقتها قصائد شعر إنساني.. لم يكن ليذكر كافور الإخشيدي لولا هجاء المتنبي.. ولا أتصور أن سيف الدولة رغم أدواره التاريخية كان يمكن أن يأخذ كل هذا الاهتمام لولا مدائح المتنبي.

سوف يظل الانقسام حول مدارس الإبداع ما بين السياسة والأوطان، ولكن تبقى قضايا الإنسان دائماً جوهر الإبداع والفكر الخلّاق.