ربما سيخرج الشعب السوداني الثائر حالياً من إحساس التّوهان في دوامة الجدل البيزنطي بين متجاذبي الأطراف داخل المجلس العسكري والخصومة السافرة بين أفراده، والتي جاءت مثيرة للسخرية في سلوك بعض القادة لجهة رفض مصافحة زملائهم، وبين جدل قوى الحرية والتغير في داخليته حول مسودة الاتفاق.

فبعد التوقيع بالأحرف الأولى على «الاتفاق السياسي»، الذي تم يوم أمس الأربعاء بين الفرقاء يأمل الجميع أن تُمحى مظاهرُ تبدد أفكار الشعب الثائر، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من أن يكون مسلوب الطموح بتأرجحه بين أن يصمد ويتجّلد وينتظر بزوغ فجر حكم القانون والنظام المدني، أو يستسلم للعسكر، الذين طرزوا لأنفسهم في مسودة الاتفاق المتعثر ثوباً سميكاً من جٍلد الحصانة ليبقوا بلا مساءلة.

فإدراك أن المخرج الأساسي من دوامة التوهان السياسي، والتشظي القائم بين فصائل الحراك الثوري السلمي المتعددة والمتمثلة في قوى الحرية والتغيير، وتجمع المهنيين والحركات المسلحة والأحزاب السياسية وغيرها والمؤمنة بقضية الحرية والتغيير والعدل والمساواة، هو الإيمان الحقيقي بأن السودان لكل أبنائه والقبول بالآخر باستيعاب كل الأطروحات والرؤى المتناثرة الهادفة إلى تحقيق استعادة المؤسسة المدنية لتحقيق تطلعات الشعب في الأمن والاستقرار والسيادة.

أما الديدن في هذه المرحلة الحرجة فهو خلق مظلة جامعة وعقلانية وواقعية تستوعب الرؤى المتباينة وحتى المختلفة منها، وبلورتها في رؤية واحدة يسوسها التوافق بالنظر للتحديات الجمة التي تواجه الشعب، وبأولوية التأكيد على شرعية الحكم المدني كطريقِ وحيدِ لإنهاء الأزمة.

إن غداً لناظره قريب، والجمعة هو الغد، فعلى المجلس العسكري ـ الذي يبدو أنه استعاد بوصلته وأصبح يدور حول الحلول ـ أن يتحلى بالحكمة كحامي حمى الوطن والشعب بحسب العرف العسكري وقسمه، ويفعل ما يجب فعله ويسلم مقاليد الأمور للشعب، ويخرجه إلى بر الأمان ويحقق له الأمن والطمأنينة.

فحتى لا نتساءل: إن كانت البغلة ستظهر في الإبريق؟، نقول: لقد آن الأوان لاستيعاب الفرقاء للمعطيات والتحديات السياسية الوطنية والإقليمية والدولية المحيطة بالسودان.. فهل سيقتنصون فرص وعود المجتمع الدولي للبلاد برفع العقوبات ليستفاد منها إيجاباً لصالح الشعب الذي بدأ يستعيد شموخه وينتزع مجده؟، وهل يدرك الفرقاء أن الأولوية لمصلحة الشعب؟.. ربما تنزل فضائل الإرادة والإدراك ونكران الذات عليهم.