امتزجت رصانة النصوص الأدبية العالمية بالمتعة البصرية على خشبة المسرح العربي في منطقة أبحر الجنوبية بمدينة جدة، حيث انطلق العرض الأول لرائعة شكسبير «الملك لير»، الذي اكتسى طابعاً فنياً مختلفاً، جسده الارتجال المدروس، والسمات الفنية للممثل، الذي تعايش مع الشخصية، على الخشبة، منذ البداية حتى لحظة إسدال الستار.

وانتزع أداء فريق عمل المسرحية والعبقرية في تجسيد شخصيات شكسبير، مع الديكور المبهر والرؤية المختلفة للعمل، تحية الجمهور الذي أكد الكثير منهم أن أبطال العمل نجحوا في نقلهم إلى أجواء هذه الحقبة من الزمن (1603).

وبدأت المسرحية التي تسرد حياة ملك أفنى ذاته لشعبه ولبناته وهو يجلس على عرشه مرتدياً تاجه المرصع بالمجوهرات، معتقداً أن الجميل والمعروف يسكنان القلوب، حتى قرر أن يعيش لبناته الثلاث ويعطي الحكم لهن.

لكن الملك لير فوجئ بنكران بناته الجميل، فلم تبد ابنته الكبرى «جورنيل» القاسية المستبدة أي رحمة في قلبها تجاه والدها الطيب، وجذبت أختها الوسطى «ريجن» إلى شر أعمالها ومخططاتها في الاستيلاء على كل ما يملكه والدهما.

وتمكن الدكتور يحيى الفخراني عبر عفويته وخفة ظله في بعض المشاهد من استيعاب الرموز الإنسانية للعمل الذي تغلفه التراجيديا والكوميديا السوداء عبر حسه الإنساني الذي طغى على العمل، وحرك مشاعر الجمهور الذي لم يتوقف لحظة عن التصفيق بعد كل مشهد مؤثر أجاده بحرفية وكأن الملك لير يسكنه وينطق بلسانه.

ساهم الديكور الخاص بالمسرحية الذي شحن كله إلى جدة في إعطاء العرض مشاهد بصرية وكأنه حقيقة لشوارع بريطانيا القديمة.

ورغم تقدم الفخراني بالعمر إلا أنه تمكن من فرض موهبته المسرحية وحركته الرشيقة في أن يكون ملك الخشبة وليس فقط الملك لير. فيما أبدع نجوم المسرحية في إعطاء العرض مشهديه بصرية حقيقية أخذتنا إلى أوراق شكسبير المبعثرة، وكأننا نعيش مع لير في القصر نسمع دقات قلبه وأنين حزنه على فجعه في ابنتيه اللتين خذلتاه.

لم يكن للابنة الصغرى « كارديليا» حضور كبير في بداية العرض، لكن في الجزء الأخير من المسرحية تمكنت من احتضان والدها بعد أن دفعت زوجها لمساعدته.

وفي نهاية المسرحية صعد الفخراني وطاقم المسرحية الخشبة وسط تصفيق حار وهتاف كبير من جمهوره الذي وصل عدده إلى 5000، وبكل حب ومودة قدّم التحية والشكر لموسم جدة والمملكة العربية السعودية على الترحيب والحب الذي قدماه لطاقم الملك لير.