التصدعات التي طالت أغلب الأحزاب السياسية في تونس، وصلت البيت النهضوي، الذي طالما عرف بتماسكه الداخلي، الناتج عن العقلية الانضباطية التي تغلب على العناصر النهضوية، وهي عقلية مشتقة من كون النهضة أقرب إلى الجماعة منها إلى الحزب، وما زالت تلتزم بمقولات السمع والطاعة والولاء للقيادة.

احتاجت النهضة لأسابيع من الانتخابات الداخلية لاختيار وتحديد مرشحيها للانتخابات التشريعية المقبلة، وقد أوحى ذلك بحراك داخلي في هياكل الحركة وأتاح للإسلاميين التفاخر بـ«حيوية ديمقراطيتهم».

على أن ما جرى بعد ذلك فنّد تلك التصورات وسحب من النهضويين كل دواعي فخرهم، وهو ما أفرجت عنه المواقف التي تداعت منذ الأحد الماضي، بيد أن اجتماع المكتب التنفيذي للحركة، تضمن تدخلاً من راشد الغنوشي وجماعته لتغيير القوائم والأسماء التي جاءت بها الانتخابات الداخلية، تلك التغييرات التي أحدثها المكتب التنفيذي أنتجت حالة غليان غير مسبوقة تُرجمت في تصريحات ورسائل وجهها قياديون في الحركة لشيخهم.

الاعتمال النهضوي بيّن أن الحركة ليست في مأمن من العواصف الداخلية، وأنها لم تتوصل إلى بناء حالة ديمقراطية داخلية بما تقتضيه الكلمة من قوانين ولوائح ومؤسسات.

الأزمة النهضوية كشفت وجود تيارين يتصارعان داخل الحركة؛ خط الشيخ مقابل التيار الإصلاحي المعارض، وهذان التياران يعبران عن تداخلات قديمة داخل الحركة، بين العناصر المهاجرة والعناصر التي رابطت في تونس وخاضت تجارب سياسية مع قوى يسارية أتاحت لها مساحات أوسع من الديمقراطية والاختلاف.. تتصل بهذا الخلاف الطارئ مسألة «التوافق» التي درج الغنوشي على استعمالها والترويج لها.

نقل الغنوشي فلسفة التوافق التي طبعت المشهد السياسي التونسي إلى داخل حركته، وباسم التوافق كسر نتائج الانتخابات الداخلية، وابتكر مخرجاً مشتقاً من القاموس الديني وهو مصطلح «الاستئناس»، وهي مقولة رددها الكثير من أعضاء المكتب التنفيذي لتبرير اللعب بأسماء المرشحين في القوائم التي ستذهب للتشريعيات المقبلة، وفي الاستئناس قول خفي مفاده: أن الانتخابات مجرد تمرين ديمقراطي، وفي ذلك استتباع خطير يعني وجود تيار يقوده الشيخ يستخدم الديمقراطية مصطلحاً ويرفضها ممارسة.

ديمقراطية داخلية غائبة، وهيمنة للشيخ على أجهزة الحركة، ونقل مريب للتوافق من آلية سياسية عامة إلى هياكل الحركة، إضافة إلى حالة الاعتمال القديمة بين خط الشيخ والخط المعارض، كلها أعراض تشي بأن النهضة مقبلة على أزمة داخلية خانقة، قد تنفجر بعد الانتخابات المقبلة، خصوصاً إذا حصلت الحركة على نتائج أقل من المؤمل النهضوي، وحينها ستتم محاكمة خيارات الشيخ وخطه وسياساته.