لقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وحاولوا إحلال قومهم دار البوار، وروّجوا للفتنة عبر إعلام أقسى في بشاعته وأشد في عنفه وعنفوانه من إعلام أنظمة حاربت الاستعمار وورثته بغير حق، ذلك لأن السطوة الإعلامية لهذا الأخير لم تكن مصحوبة بالدعوة إلى الدماء إلا في حدود ضئيلة نتيجة انعدام الوعي، أو سعي للقمة عيش تفرضه الحاجة وإلا خذل معها العرض ورحل..

أولئك القوم يعبثون بمشاعر الناس وبمصائرهم، ولا عذر لمن اتبعهم حتى لو كان رياضياً يجهل البرتوكولات، كما جرت الحالة في بطولة كأس الأمم الأفريقية في دورتها الـ 32 في مصر، وما عساها الدولة المصرية أن تفعل، وهي تحارب عدة جبهات متسلحة بالخبرة في التنظيم، والإقبال يوم الزحف، وبسعة صدر تسع العالم كله، وبصبر لا يستطيع أن يتحمل أعباء وأمانة نفسه.

ليس مُهماً أن تصدّر مصر الأمان إلى العالم، ولكن المهم أن يكون كل من داخلها شاعراً بأمان فيها، وكل ما جرى في مصر لمدة شهر كامل، وهو عمر البطولة، يشهد على تدفق الأمان في قلوب وحناجر المشجعين إلى درجة التخمة، ولنا من الدلائل الواقعية والحقيقية ما يكشف عن ذلك حتى لو عمت أبصار كثير من الناس أو أصابها الرّمد، كما أنها كتمت غيظها، أقصد الدولة المصرية ممثلة في مسؤوليها على مختلف المستويات، من مزايدة البعض عنها في خصومة أو إشعال فتنة، أو دعم الاختلاف بين الدولة وشعبها، سواء أتمّ ذلك بقصد أو بغيره.

لقد بذلت القوى المعادية لمشروع مصر الوطني ولدورها الإقليمي المحاولات تلو الأخرى لتسفيه ما تقوم به، وتوسعت دائرة المظلومية في الملاعب، بهتاناً وزوراً، وعُمِّمَت فغدت في الملاعب سلاحاً موجهاً إلى صدر الدولة المصرية، وعملت قوى مختلفة لإخراج لعبة الكرة من فضائها إلى عوالم السياسة حيث الحقد والكراهية، ومع ذلك كله نجحت مصر في التنظيم، ونجحت أكثر في عودتها لنهضة مقبلة لا محالة، تبشر، مهما كانت المواقف، بانبلاج نور صبح جديد، ورغم هذا تعتري من يفقهون في ألاعيب الدول الصغيرة المتطاولة وجماعات التحالف ضد النجاح من قوى اليمين واليسار ومن والاهما مشاعر حزن دفين لا يفرق في اشتعاله بين الأشخاص والدولة.

لقد نجحت مصر فيما فشل فيه الآخرون.. إنها الدولة العميقة، التي لا يثنيها أو ينهي عزيمتها أدوار مشبوهة لأهل الشر، أو لمن يجهلون حقيقة تكاتف الأمة أيام الرخاء.. فسلام لك ومنك، وأنت تعبرين عباب البحور، وتواجهين الأمواج والعواصف في ركب الزمن، وذلك قدرك، فطوبى لك.