جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق وتوثيقها، فتوثيق الديون وكتابة الوصايا وتسجيل الأوقاف ومسائل أخرى كثيرة ومتعددة، وهذا ما يدل على أهمية وضرورة مراعاة الحقوق المالية سواء تعلقت بنا أو بغيرنا، فالبعض قد يتساهل في عدم تسجيل بعض الأملاك بحجة أن العمر طويل، وسيُدون كل شيء في قابل الأيام، ثم يسبق عليه أمر وقضاء الله تعالى.

وقد يملك المرء أرضاً أو منزلاً في دولة أخرى، ولا يعلم عن هذا الملك أحد من ورثته، وقرابته فتضيع الحقوق سدًى وتذهب الأموال في الريح، وقد يكون الرجل صاحب شهامة وكرم، فيقرض الناس ولا يوثق هذه الديون، ثم يتوفاه الله فتضيع حقوق الأبناء والورثة، وبعضهم قد يسجل بعض الأملاك باسمه، وهي في الأصل ملك لغيره، وهذا لاعتبارات يراها ويقدرها هو، ثم يتوفاه الله تعالى فيقع صاحب الملك في حرج عظيم إلى أن يتم تسجيل الأملاك مرة أخرى باسمه.

والمقصود هنا ضرورة توثيق الحقوق والإشهاد عليها، وعلى الأبناء تذكير الآباء خاصة إذا كبروا في السن بمثل هذه الأمور، وليس الكلام عن هذه المسائل من باب تمني موت القريب، بل الكلام عليها لضمان عدم تضييع الحقوق، وحري بالحريص أن يدون كل ما له من حقوق على الآخرين أو العكس في أوراق رسمية أو على أقل تقدير في أوراق شخصية ويشهد عليها، فهو بهذا الصنيع يريح نفسه وغيره.

ومن حزم الصحابة الكرام رضي الله عنهم في هذه المسائل أن عبد الله بن عمر سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ثلاث ليال، إلا ووصيته عنده مكتوبة»، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي».

ومن المسائل التي مرت علي شخصياً، أن امرأة حاذقة أمينة كانت تساعد غيرها بما يعرف بجمعيات الموظفين التي تجمع قسطاً من المرتب، ففي كل شهر تقوم بجمع مبلغ من مجموعة مختلفة المشارب ثم تعطي المبلغ لشخص واحد في المجموعة إلى أن تكتمل الدورة على الجميع، فتوفاها الله فوقع أولادها في حرج عظيم لأنهم لا يعرفون أفراد الجمعية.

إن توثيق الحقوق يكون أيضاً في مسائل الوقف والهبة، فكم من إنسان تكلم مع بعض أقاربه عن إيقافه لأشياء، ثم طال الوقت ونُسيت هذه الكلمة أو لم يحفظها جيداً من سمعها.