الاثنين - 21 أكتوبر 2019
الاثنين - 21 أكتوبر 2019

اعتقال «فاريبا» ومواجهة إيران للفكر النزيه

مارك لافيرني
باحث متخصص في الشرق الأوسط ـ فرنسا
يوم الخامس يونيو الفائت، تم اعتقال الباحثة الفرنسية الإيرانية الأصل «فاريبا عادلخاه» في طهران، وأودعت أحد السجون بتهمة التجسس، الملفقة من قسم التحريّات السرّية في الحرس الثوري الإيراني، ولم يسمع العالم بأخبار اعتقالها حتى 16 يوليو الجاري. وأثارت هذه القضية اهتمام الرئيس الفرنسي ماكرون شخصيّاً من دون التوصل إلى أية نتيجة حتى الآن، وحقيقة الأمر هي أنها اختُطفت كرهينة في إطار مشهد استعراض العضلات بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وإيران من جهة ثانية.

وخلال أكثر من 20 عاماً، كانت «فاريبا» زميلة أكاديمية لي، ثم أصبحت رئيسة لقسم البحوث في «معهد باريس للعلوم السياسية»، وهي تحمل شهادة الدكتوراه في علم الإنسان «الأنثروبولوجيا» منذ عام 1990 عن أطروحة تحمل عنوان (إيران ما بعد الثورة.. مقاربة علمية إنسانية وقضية النساء الإسلاميات المناضلات).

وبما أنها من أصل إيراني، فلقد تمكنت من شرح الحالة التي آل إليها المجتمع الإيراني بعد ثورة عام 1979 من خلال سلسلة مقالات جريئة، مستقاة من خبرات وبحوث متراكمة جمعتها من داخل إيران وخارجها، يمكن تلخيصها بأنها تمثل نداء لمحاولة فهم واحترام فكر الآخرين وثقافتهم، وهي أيضاً دعوة لإرساء أسس السلام من خلال التلاقح الفكري النزيه والبعيد عن التعصب والتحيّز.


وقد كانت حتى ذلك الوقت ترفض التهجّم على نظام الثورة الإيرانية من خارج إيران، وكان ذلك سبباً في انتقاد موقفها من طرف المجتمع الإيراني المنفي، وما لبثت أن أوقفت نشاطها هذا بسبب المواجهة القاسية التي تعرضت لها من النظام، والتي دفعت بها للهروب إلى أفغانستان قبل عشر سنوات.

وأنا أرى أن نشاطها يلخص مفهوم الاختلاف الجوهري بين التجسس الذي يهتم بكشف الأسرار الخفيّة، والبحث الأكاديمي الذي يُعدّ محاولة لفهم العالم على حقيقته وبحيث يصبح مرئياً للجميع، وإبراز حجم الهوّة التي تفصل بين طول النظر وقصره، أو بين الوهم والحقيقة.

وهذا ما يدفعني للقناعة بأن البحوث الأكاديمية المستقلة التي يتكفل بإنجازها أشخاص مستقلون وملتزمون بمتابعة واكتشاف التغيرات الاجتماعية والإنسانية على حقيقتها، يستحقون كل التقدير والاحترام بالرغم من كثرة مراكز البحوث والوكالات الاستشارية الشهيرة ذات الميزانيات الباهظة.

ويمكننا أن نتذكر في هذا الصدد أن القوة الأعظم في العالم، والتي تمتلك أقوى وكالة للاستخبارات، كانت على الدوام ضحيّة لأخطائها، والشواهد على ذلك كثيرة، من الهجوم الياباني الشهير على «بيرل هاربور» وحتى أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.
#بلا_حدود