أن تقرأ لأدب الشُطار أو «البيكارسكية» المعروفة أيضاً بالصعلوكية فتلك مشقة تتبعها ظنون تُغالب القارئ، وهلاوس ومشاعر متناقضة من التقزز والإعجاب، إلى الاستياء والنقمة، من القهر الذي يولده الحرمان والحاجة والفقر والظلم الاجتماعي والأسري، الذي يتأثر به أفراد فينعكس على نمط حياتهم وما ستكون عليه الأيام عليهم من مشقة وضناء ستلعب دوراً أساسياً في تصرفاتهم ونمط معيشتهم.

بدأ هذا الخط الروائي النثري بإسبانيا، ومنها انتشر لأوروبا وأمريكا، وتميز اهتمام النص فيه بالطبقات الدنيا وكفاحها المستميت في سبيل حياة وبيئة قاسية مليئة بالمحن والمخاطر، والحياة المتحررة من القيم، تُروى عادة بضمير المتكلم أو الغائب، وأشبه بالسيرة الذاتية الهِجائية للمجتمع المنحاز لقيم بعينها فرقته لطبقات، المتضررة منها عادة ما تكون المهمشة والدنيا، التي لا يملك الراوي إلا انتقادها في إطار سردي وصفي ليومياتها بما فيها من معاناة وقهر وحاجة وضيم ومعيشة بلا ضوابط.

عربياً، أبرز من انتهج هذا النمط الأدبي الروائي المغربي محمد شكري، الذي يروي تفاصيل حياته في رواياته التي تمثل سيرته الذاتية ثلاثية الأجزاء (الخبز الحافي، الشُطار، وآخرها وجوه)، وأَطر فيها لأدب البائسين الحداثي، المتحرر من الضوابط الأخلاقية في الكتابة والوصف والكلمات المستخدمة، التي تطغى على البعض منها الإباحية والصراحة المطلقة بتسميته الأشياء بمسمياتها المجردة دون مواربة وتعفف، يستشعر العديد التقزز لفحشها، مصوراً مشاهد معاناته المؤلمة الواقعية بأبشع صورها، دون تجميل وبلا تلطيف تتوارى خلفه الكلمات المُميّعة والأوصاف المُبهمة المُخففة لقتامة الواقع.

محمد شكري، الذي وصف حياته بدايةً في روايته الأولى؛ بمزيج من التشرد والإجرام والانحلال، وجد لنفسه بالجزء الثاني منها (الشُطار) بصيص أمل في التعليم، الذي بدأه بالتحاقه بالمدرسة وهو في العشرين من عمره، لينتهي به الحال بعد كفاحٍ مُدرساً، ولم يمنعه وضعه الجديد من الاستمرار بنمطه القديم، والذي لم يندم عليه كما ذكر في خاتمة روايته (وجوه) وتحدث عنه بإسهاب ودونما مواربة وتجميل، والإباحية المفرطة في رواية الخبز الحافي منعتها من التواجد في العالم العربي وببلده المغرب حتى عام 2000، رغم أنها لم تنشر بالعربية إلا بعد سنوات من ترجمتها للإنجليزية والفرنسية، مثيرةً ضجة حال صدورها.

ومن أبرز كُتاب أدب الشُطار من المغرب الأقصى المتأثرين بالأدب الإسباني، منهم محمد زفزاف ومحمد الهرادي وبنسالم حميش والعربي باطما.