هناك علامات دالَّة في حياة الشعوب والأمم على رقيها وتطورها وتميزها، منها: تجاوز الخلافات التي تحدث جروحاً في أعمارها حتى لو تعلّق الأمر بموقفها الجماعي من قضايا متعددة ومتنوعة، وأحسب أن تونس ـ الدولة ( حكومة وشعباً ومؤسسات) كشفت في أيام حزنها برحيل رئيسها باجي قايد السبسي عن موقف حضاري، سواء على المستوى المؤسساتي، أو على مستوى العلاقات البينية، بما فيها المؤيدة والمعارضة لسلطته حين كان في الحكم.

من ناحية أخرى، كان للموت حضوره وسطوته، وأصبح تاريخ الراحل في شقه الإيجابي حديث الناس، خصوصاً المسؤولين منهم، ومع النقد الموجه إليه خلال فترة حكمه، إلا أن اختيار محاسنه طغت على سواها، فغدا في فضاء الإسلام والمسلمين متقبلاً قبولاً حسناً، تماماً مثل من نظر إليه من قادة العالم لجهة الثناء عليه في تكريسه للحداثة ومواجهة الظلامية والإرهاب على النحو الذي أشار إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

الحديث عن رحيل باجي قايد السبسي، لا يعني عموماً وتفصيلاً، شخصه، فالراحل انتقل إلى عالم آخر يختلف عن دار الغرور، كما لا يهمنا هنا ما خلفه من إرث سياسي، فذاك أمر يخص ورثته من السياسيين التونسيين، كل الأحزاب وليس نداء تونس فقط، وكل المناضلين أيضاً، ولن نركز على مواقفه السياسية، ولن نكون طرفاً في رفض ما قام به، خصوصاً في القضايا المجتمعية ذات الطابع الديني، فكل هذه الأمور متروكة للشعب التونسي، وإنما الذي يعنينا هنا، هو عمق الدولة التونسية، وانتصار مؤسساتها، ووقوفها شامخة أمام العواصف السياسية، حيث بدت دولة مختلفة عن محيطها العربي في تجاربه الراهنة، بما فيها دول الجوار.

الواقع أن تونس اليوم ـ مهما كان تقييمنا لتجربتها ـ تخرج من عواطف الثورة والتغيير لتدخل مرحلة عقلنة الفعل السياسي، من خلال الحضور المميز للدولة، كما أنها تمثل تقصّي آثار أم رؤوم تعمل على حماية أبنائها، وهي بذلك تؤَصل لديمومة منتقاة من خلال متطلبات الوجود ودوافع البقاء، فِعْلُها هاهنا واعٍ واختياري وهادف، يبدو في لحظات الشدة تعبيراً عن حرية يعرفها جيداً سكان منطقة المغرب العربي، حيث المرابطة والدفاع عن الهوية، وتشكيل مسار دولة تستند في رسوخها اليوم، إلى ماضيها الثوري، وحاضرها الذي حرّك الوطن العربي كله، وربما يكون ظهورها المؤسساتي اليوم مدخل صدق لتغير بعض الحكومات في الوطن العربي كله.