التاريخُ له طريقتُه الخاصَّة لإعادة نفسه، ويبدو أنَّه بَدَأ يَتَّجِه نحو الشرقِ مَهْدِه.. مَا قبل التاريخ لا نَعرِف عنه كثيراً، أمَّا عصرُ التاريخ فيبدأ بنشأة الكتابة في بلاد الرافدين نحو 3500 قبل الميلاد، وفي ذلك العصر بدأ تدوينُ العلوم والمعرفة، فالحضارة بدأت في الشرق وانتقلت إلى الغرب، فهل هي الآنَ عائدةٌ سِيرتَها الأولى؟ مَن يُراقِب الصين يجدها تسير بهدوء لإعادة التاريخ إلى مهده.

فالرئيس الصيني الحالي شِي جين بينغ أعلن في خِطَابِ تَنصِيبِه رئيساً للصين 2013 أنَّه سيقود بلاده إلى النهضة بطريقتها، وفي سبتمبر من السنة نفسها أعلنَ في كازاخستان رؤيتَه المتمثلة في «الحِزَام والطريقِ».. فهذا المشروعُ إحياءٌ لطريق الحرير القديم الذي كان يَربط الشرق بالعالَم، وكان للعرب دَورٌ حيوي فيه، وهو لم يكن طريقاً اقتصاديّاً فَحَسْبُ، ولكنَّه طريقٌ ثَقافي أيْضاً، فالشرقُ بإرثِه الثقافي (هو مهد الكتابة والأديان الكبرى)، ووَزْنِه الاقتصادي، وحَجْمِه الديموغرافي سيُصبح مِن جديد مركزاً للحضارة.

وقد تَنَبَّه العربُ لهذا التحوُّل العالَمي، فنجد زيارات لقادة دول عربية مثل: الإمارات والسعودية للصين والهند منذُ السنوات الأخيرة، وزيارة رئيس الصين لمصر والإمارات. وتَندَرِج في هذا السياق الزيارة الأخيرة إلى الصين التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، فكلُّ هذا يكشف عن عالَم جديد سيُولَد، ومنطقتُنا ستكون واسطةَ العِقْد لمشروع «الحزام والطريق»؛ لذلك وَصَف وزير خارجية الصين الإمارات بـأنَّها «لؤلؤة» الحزام والطريق.

وسيُصبح اليوان عملةً كبرى والماندرين لغةً عالمية (لكن ستظل الإنجليزيةُ والدولارُ الأمريكي مُهَيمنينِ بعضَ الوقت).. دلائلُ ذلك أخَذَت تظهر، فكبار رجال الصناعة الغربيين بدأوا يُدركون أهمية الصينية، ففي 2014م تَحَدَّث مارك زوكَربيرغ (مؤسِّس فيسبوك) باللغة الصينية لمدة نصف ساعة أمامَ طلاب جامعة شينغوا في بكين، وما الحربُ التجارية الحالية بين بكين وواشنطن إلا إحدى سمات هذا التحوُّل.

الصينُ تسير بخُطى سريعة، فهي في 1986م ــ كما يقول كارل غيرث مؤلف كتاب «على خطى الصين يسير العالَم» –، تختلف عنها في 2010م. فهي تَتَطَوَّر في مثل السنتين وثلاثِ السنوات، خلافًا للدول الأخرى التي تَتَحَوَّل ببُطء، باستثناء دُوَل قليلة كالإمارات التي تَتَطَوَّر بسرعة كالصين؛ لا سيما في البنية التحتية، والفارق بين الدولتين في التكنولوجيا.. فعلينا أن نَستفِيد من الصين، ولا نَضَع جميعَ بَيْضِنَا في سلَّة الغرب.