فوز وزير الخارجية البريطاني الأسبق بوريس جونسون الذي ينتمي إلى حزب المحافظين برئاسة الحكومة يضع فاصلاً سياسياً في الخيارات الاستراتيجية الكبرى للمملكة المتحدة، ليس لأنه يتجه إلى فك الارتباط مع الاتحاد الأوروبي، ولكن لأنه يضع السياسة البريطانية في نفق غامض من الشعبوية، قد تمس حسب المراقبين الاستراتيجيين العقل السياسي الذكي والمتزن لبريطانيا.

إن إرادة جونسون في الانفصال، وفق التصور الذي يحمله، تتم بروح شوفينية متعصبة تعيد إلى الذهن الأوروبي النزعة القومية المنغلقة على أساس العرق، حيث يعتبر فوزه تعبيراً عن المد اليميني في العالم، واستمراراً لإرادة ترامب في تسييد رؤيته حول العالم كما يراه، وهنا تأتي خطورة هذا الفوز لأنه يحمل «فيروسات» ضمنية لتفكيك الاتحاد الأوربي، ويشكل مدخلاً لبروز جيل جديد من النزاعات في القارة العجوز.

وما قد يزيد من احتمال تحقق هذه الآفة هو هشاشة «الوضع القيادي» الذي تشهده أوروبا أمام رئيس فرنسي يفتقر إلى بعد النظر في التعاطي مع مشاكله الداخلية، وفتور حماسة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل نظراً لظروفها الصحية، فضلاً عن غياب كاريزمات سياسية وازنة في الاتحاد الأوروبي قادرة على رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية في تجاوب مع انتظار مجتمعاتها سياسياً.

إن ما ينبغي التنبيه له أن صعود اليمين القومي المتطرف في ديمقراطيات المعمورة سيتخذ شكلاً آخر أكثر تطرفاً، إذا لم يتم الحسم بوعي سياسي عالمي في مسألة تشكل وبروز النزعات الشعبوية، التي أخذت بعداً مبتذلاً وأضحت تتقاطع مع التكتلات السياسية التقليدية التي فقدت بوصلتها المرجعية، حيث كانت إلى عهد قريب تستمد شرعيتها من الأيديولوجية الليبيرالية.

إن مؤشرات الخطر تنطلق من تماهي جونسون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواقفه، بإعلانه مثلاً عن خروجه من الاتحاد الأوروبي خلال أقل من مئة يوم، وانجراره إلى هوى ترامب في إدارة الملفات الدولية بمزاجية متقلبة تعتمد على منطق تجريب أنواع الخطأ والصواب، وهي الصورة التي تعكسها الإدارة الأمريكية تجاه العالم كمناوشاتها مع إيران وتصريحات الرئيس الأمريكي المتناقضة حول أحداث الخليج ومضيق هرمز.

هناك إذن حالة تماهٍ بالتبعية من طرف بريطانيا تجاه أمريكا أيديولوجياً، وهي حالة تسعى إلى الإجهاز على المكتسبات الحقوقية والديمقراطية التي راكمتها أوروبا لقرون طويلة.

إن التحولات الكبرى التي يشهدها عالم اليوم، في ظل تراجع القيم الإنسانية وميل الفرد ضمن نسيج اجتماعي مختل إلى الفردانية، قد تجعل من «الترامبية» أداة للحكم قابلة للانتشار في مختلف الأنظمة السياسية الدولية، ولذلك ستتقاطع مفاهيم السيادة من منظورها الليبيرالي ومفاهيم الهوية ذات الدلالات القومية في علاقتها الوطيدة بالليبيرالية الاقتصادية والاجتماعية، لظهور ليبرالية متوحشة جديدة.

إن من مقومات هذه الليبيرالية «الترامبية» اعتبار الولايات المتحدة مركزاً للحماية، ومحوراً تكنولوجياً وعسكرياً، ومصدراً للمعرفة والتنمية، أما بقية العالم فهو هامش لها، له فقط دوائر تدور حوله وحلفاء تابعون بالتماهي مثل جونسون رئيس الحكومة البريطانية.