الثلاثاء - 22 أكتوبر 2019
الثلاثاء - 22 أكتوبر 2019
حلمي النمنم
حلمي النمنم

التصوف والتشدد.. صراع وجودي!

في المكتبات ولدى باعة الكتب عدد كبير من الإصدارات عن التصوف والمتصوفة، بعضها جديد وبعضها قديم جرت إعادة طباعته مثل أعمال نيكلسون، والدكتور أبو العلا عفيفي، وعبدالرحمن بدوي وغيرهم؛ الكتب بعضها مترجم وبعضها كتب بالعربية؛ ومنها ما هو في التصوف الخالص، ومنها كذلك استلهام للمعاني الصوفية في أعمال أدبية، وسوف يلاحظ المتابع أن جلال الدين الرومي تحديداً بين المتصوفة يجد اهتماماً خاصاً، وتحقق الكتب عنه رواجاً أكبر لدى القراء والمتابعين.

ويرجع كثير من النقاد هذه الموجة من الإقبال على أعمال المتصوفة لرغبة لدى الكثيرين في البحث عن نموذج للإسلام المنفتح على الآخرين، المحب للناس لا الكاره لهم ولا المُكفر لهم وقاتلهم؛ لقد ضج كثيرون من نماذج التشدد والعنف والإرهاب التي يقوم بها فريق من المنتمين إلى الإسلام السياسي؛ فقدموا الإسلام باعتباره قرينة للكراهية وللاعتداء على كل من يخالفهم الرأي، التصوف يعنى التصالح مع الحياة ومع البشر، خاصة المخالفين لنا في المعتقد والأفكار، إنه لا يقبل بوجودهم فقط بل يحيطهم بمحبته أيضاً؛ وهنا سوف نجد كثيرين يرددون بعض أبيات محيي الدين بن عربي، التي تثبت هذه المعاني وتؤكد على تلك الروح.

والثابت أن بعض مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة ودول الغرب، اقترحت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ضرورة الاهتمام بالتصوف لمواجهة إسلام المتشددين.


وقبل 11 سبتمبر؛ حاول الرئيس المصري أنور السادات سنة 1980 الاهتمام بالتصوف، بعد أن ثبت لديه أن الجماعة الإسلامية التي اصطنعها بعض رجاله في الجامعات المصرية، وأن جماعة الإخوان التي أطلق لها العنان؛ يسعون للعنف وللإرهاب وأنهم يستهدفون مؤسسات الدولة بل يستهدفونه هو شخصياً؛ فاهتم بالتصوف ورجال الطرق الصوفية وسمح بإصدار مجلة «التصوف الإسلامي»، لكن القدر لم يمهله فقد نجح المتطرفون والإرهابيون في اغتياله سنة 1981، لكن بقيت المجلة تصدر بانتظام حتى اليوم.

إن الأمر المؤكد أن هناك صراعاً تاريخياً بين فريق التشدد في الفقه والفكر الإسلامي وبين التصوف والمتصوفة؛ وما زال هذا الصراع قائماً إلى اليوم، فحادث مسجد الروضة في بئر العبد بمصر، الذي هاجمه الإرهابيون لحظة صلاة الجمعة في نوفمبر 2017، وقتلوا 304 مصلين، وأصابوا 1281، كان سببه المباشر أنه كان مقراً لجلسات واحتفالات إحدى الطرق الصوفية التي يكفرها المتشددون والإرهابيون.

هذا الحادث يقدم دليلاً على ضراوة الصراع التاريخي والوجودي بين التصوف والتشدد، والتساؤل هنا هو: هل التصوف قادر على مواجهة التشدد والإرهاب والارتفاع بالبعد الإنساني في الإسلام؟
#بلا_حدود