في الوقت الذي كان الفلسطينيون يواجهون أقسى حملة تهجير قسري مخضَّبة بدمائهم للاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم في عام 1948، جاء رد تركيا الدولة الإسلامية الكبرى سريعاً، بعد أقل من عشرة أشهر فقط من إعلان قيام دولة إسرائيل معلنة اعترافها الكامل بالكيان الجديد، لينطلق قطار شحذ العلاقات العسكرية والاستخباراتية والأمنية بكل قوة وتوافق.

ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي يبدو أنه لا يجيد قراءة التاريخ وتمحيصه، متناسياً أو متغافلاً عن دور بلاده بتقديم أكبر دعم لتل أبيب، ففي الوقت الذي كانت فيه رائحة دماء الفلسطينيين ما زالت تسري وتفوح من شوارع المدن الفلسطينية، كان العلم الإسرائيلي يرفرف في المدن التركية عالياً، معلناً الوقوف مع الكيان المغتصب.

المنخدعون بتصريحات أقطاي ورئيسه، التائهون في دروب الحروب الكلامية، عليهم أن يدركوا أن الجعجعة ليست وقوفاً مع فلسطين ولا مع الحق، بل لتغطية «الخيانة الحقيقية»، ففي الوقت الذي يتحدث فيه أقطاي، زادت تجارة تركيا مع إسرائيل بما يفوق 133 مليون دولار، وبلغ إجماليها نحو 1596 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2019، فيما وصلت العام الماضي نحو 3.9 مليار دولار.

وإذا كان أقطاي متبرئاً من الاعتراف بإسرائيل ويعيد ذلك إلى عهد سابق لا مسؤولية له عليه، فهل يتبرأ من مليارات الدولارات من أرباح التجارة البَينية التي تزداد عاماً بعد عام في عهد رئيسه ومرشده؟، يبدو أن خطاب الرياء وتزييف الواقع أيديولوجيا متجذرة لدى طائفة الإخوان وداعميها، يقولون ما لا يفعلون، ويخفون ما يعملون، يهاجمون الجميع بالشبهة ويتغاضون عن مَن قامت عليه الحجة والدليل بأنه المُطبع الأعظم والداعم الأول لإسرائيل.

إن الحديث عن فلسطين والقضية حديث يلامس شعور العرب والمسلمين، وهناك من احترف اللعب على هذا الوتر، يغرد ويصرح بكل الاتجاهات يلعن إسرائيل، ويتهم الجميع لكنه على أرض الواقع يقوم بكل ما هو عكس ذلك، بالمحصلة على المتوهمين والمخدوعين أن يفيقوا من سباتهم، وأن يعلموا أن مَن يجب الحذر منه والخوف من أجندته هو مَن يهاجم إسرائيل، وفي نفس الوقت يقيم معها أقوى العلاقات على كل الأصعدة، فإذا كانت القناعات حقيقية فليقطع أقطاي ورئيسه العلاقات مع تل أبيب ويعلنان العداء لهذا الكيان بدلاً من وصلات الرقص على أحلام البعض المخدوع بهم حتى اليوم.