الاثنين - 21 أكتوبر 2019
الاثنين - 21 أكتوبر 2019
محمد محمد علي
محمد محمد علي

الترجمة رُوحٌ لا حُروفٌ

لقد أبدع كثيرٌ من المترجمين العرب إبداعًا عَزَّ نظيره، لا سيَّما جيلُ الرُّواد، في نقل أمَّهات الكتب الأجنبية إلى لغتنا، ففَتَحوا لنا نوافذَ كثيرة على الثقافة العالميَّة، لكنَّ بعضَ الترجمات المعاصرة وليس كلها، مُخيِّبٌ للآمال.إن بعض هذه الأعمال يُشَوِّهُ المعنى وهذا أمرٌ خطير، فإنَّا إذَا كُنَّا نَتَلَقَّى ثقافةَ الآخَر وفِكرَه مُشَوَّهَينِ، فكيف نفهمُه؟، وهذه الترجماتُ لا تُشَوِّه المضمونَ فَحَسْبُ ولكنَّها أيْضًا تُخِلُّ بالعربية، فكثيراً ما يَسْتعمِل أحدُ المترجمين بعضَ التراكيبِ وحُروفَ الجَرِّ وسائرَ حروف المعاني استخدامًا خاطئاً، فيَنْحَرِف المعنى أوْ يَسْتَغْلِق.

إنَّ الحروف لها معان لا يمكن جهلُها، وقد تَنَبَّه أوائلُنا لأهميتها في اللغة، فهي أدواتُ الربط الأساسية وبغيرها لا تَسْتَقِيم المعاني ولا تَلْتَئِم المباني، وهي مع ذلك سُمومٌ قاتلة إذَا لَم تُسْتَخْدَم اسْتخداماً صحيحاً، فقد تَقْلِبُ المعنى إلى ضِدِّه أو تَجْعَلُه مُبْهَماً أو تُحِيلُه إلى لغز.

ثُمَّ إنَّ الترجمةَ عَمَلٌ إبداعيٌّ شاقٌّ يحتاج إلى فِكر وثقافة قبل إتقان اللغتين الْـمَعْنِيَّتَينِ، صحيح أنه مَهْمَا بَلَغ المترجمُ من قُدرة وثقافة فلن يَسْتطيع نَقْلَ المعنى كما هو في النَّص الأصلي، لذلك نَشَأت مَقولةُ «المترجم خائن» للتعبير عن هذا المأزق، ويحتاج المترجمُ إلى معرفة ثقافة الآخَر الذي يُريد نَقْل نُصوصِه إلى العربية؛ لأنَّ إتقانَ اللغة الأجنبية وحدَه لا يكفي، فالثقافةُ أهمُّ مِن اللغة؛ لا سِيَّما في المجالات الفكرية والثقافية ولا إشكالَ في ترجمة النصوص العلمية البحتة مثل الرياضيات والهندسة، إلخ؛ وإنَّما الإشكالُ في ترجمة العلوم الاجتماعية لأنَّها مُرتبطةٌ ببيئتها الثقافية، فعلى المترجمين الذين يريدون الإبداعَ أن يُراعُوا هذه العوامل.


إنَّ الترجمة ليست نقل حَرف، بلْ نقل مضمون؛ لأنَّ لكلِّ لغة خَصائَصَها وتُراثَها وتاريخَها الذي لا ينفصل عنها، وسأذكر مثالاً مُهِمّاً، فعندما أرادت اليابانُ نقلَ مقدمة ابن خلدون إلى لُغتها، كان يُمكنُها أن تُكلِّفَ عربيًّا يُتْقِن العربية واليابانية بهذه المهمة، أوْ تنقل الترجمة الإنجليزية إلى اليابانية؛ لكنَّها لم تفعل؟، بلْ أرْسَلَتْ أحَدَ أبنائها إلى مصر لِتَعَلُّم العربية والثقافة الإسلامية لإنجاز ذلك، إن اليابان رَأَت أنَّ هذَا النَّصَّ الخالد لا يُمكن نَقْلُه إلى اليابانية مِن لُغَة غير العربية؛ لأنَّ المعنى حِينئذٍ يَضِيع في رِحْلةٍ طويلة بَيْن الثقافات واللُّغات، فينشأ نَصٌّ هَجينٌ بعيدٌ عن الأصل، فهل يمكننا أن نستفيد من هذه التجربة أو نستثنيها من القاعدة ونترجمها حرفياً؟!
#بلا_حدود