لا تزال واشنطن تبذل كل ما في وسعها لحث الدول الحليفة والصديقة للمشاركة بأعباء ضمان أمن الطرق البحرية في الخليج العربي، إلاّ أن ردود الأفعال من الحلفاء انطوت على تردد وبرود.فألمانيا وفرنسا على سبيل المثال لا تريدان المشاركة في هذه المرحلة، أما المملكة المتحدة فتحاول إقناع جاراتها الأوروبيات بمدّ جسورهن مع الولايات المتحدة لكن دون تحقيق أي نجاح يُذكر، لتقفز إسرائيل إلى واجهة المشهد مؤخراً لتزيد مياه الخليج الدبلوماسية تعكيراً.

وتحرص اليابان على التعامل مع هذا الموضوع الحساس بحذر شديد حتى بعد زيارة وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر إلى طوكيو يوم السابع من أغسطس.

فبالنسبة لليابان، المجبرة على «رفع علمين» في الخليج بطلب من الولايات المتحدة، فإنها تستحضر الذكريات المريرة لصدمتين سبق أن تعرضت لهما هناك.

كانت إحداهما من ذكريات حرب الخليج عام 1991، حيث كان الدستور الياباني المسالم قد حظر المشاركة في أي تدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة في العراق.

ودفعت اليابان ما يزيد على 13.5 مليار دولار لدعم وتمويل القوات الدولية المتحالفة بقيادة الولايات المتحدة في تلك الحرب.

ولا يزال صُنّاع السياسة اليابانيون يتذكرون جيداً ما حدث بعد نهاية حرب الخليج، عندما أعلنت الحكومة الكويتية عبر الإعلام الأمريكي عن عميق امتنانها وعرفانها للتضحيات التي بُذلت لتحرير الكويت. وقامت بعدّ 29 دولة بأسمائها من دون أن تذكر اسم اليابان.

وبالرغم من هذا القصور، وحتى تتمكن حكومة اليابان من دفع هذا المبلغ الضخم، وجدت نفسها مجبرة على إصدار سندات خزينة ورفعت قيمة الضرائب ليتحمل الشعب الياباني هذه التضحية.

ومنذ ذلك الوقت، بقيت اليابان تتلقى الإهانات المتلاحقة عندما كانت تسمع الانتقادات الأمريكية الموجهة إليها حول تمتعها بأمن الملاحة في الخليج بحماية الولايات المتحدة.

وجاءت الصدمة الثانية خلال حرب الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003.

وقبل انطلاق عملية الغزو، اطلع مسؤولون يابانيون على وثائق سرّية أمريكية تعتبر دلائل كافية تثبت أن العراق كان يقوم بالفعل بتطوير أسلحة الدمار الشامل، وعبّر كبار المسؤولين اليابانيين في ذلك الوقت عن دعمهم للقرار الأمريكي بشن الحرب واقتناعهم بأسبابه.

ولم ترسل اليابان قوات لإنجاز مهمات عسكرية في العراق بل اكتفت بإرسال وحدات من سلاح الهندسة العسكرية من أجل الإشراف على إعادة إعمار العراق، فكانت المفاجأة الكبرى لصناع السياسة اليابانيين، وهي عدم اكتشاف أي نوع من أسلحة الدمار الشامل في العراق.

إن العديد من هؤلاء المسؤولين الحكوميين الذين اطلعوا على «الوثائق بالغة السرّية» عام 2003، لا يزالون يشغلون مناصب رسمية حتى الآن.

وبالرغم من الصبر الذي يتمتع به الناخبون اليابانيون، فلن يكون من السهولة أن يتحملوا هذه المرة عدم توفر الأسباب المقنعة للمشاركة في الحرب، وهنا بالضبط يكمن سرّ تردد اليابان في المشاركة في التحالف لحماية الملاحة الدولية.