التقيتُ الرئيس الجزائري الأول «أحمد بن بلة» في أبوظبي بداية عام 2003. كان في زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان ممّن التقوا الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لإقناعه بالتنحي وتفادي مأساة الحرب.

كان من حظّي أنّي تحدثت مع الرئيس بن بلة عدة ساعات، ودار الحديث الطويل حول الثورة والدولة وحول الثقافة والسياسة. كانت دهشتي واضحة وأنا أسمع الرئيس «بن بلة» يراجع الماركسية وينتقد المادية، وينتصر لضرورة عودة الروح إلى المادة.

سألت الرئيس بن بلة عن اليسار وعن اليمين وعن الاشتراكية والعولمة، فقال «أنا لست ضد الشيوعية، وقد أعاننا الاتحاد السوفييتي كثيراً، لكن الشيوعية ظاهرة ترمي إلى نفس المقاصد الليبرالية، يعني أفكار مادية بحتة، والعلم الآن هو الذي لا يقر بأن الأفكار المادية وحدها هي الحقيقة».

«إن الثورة الماركسية لم تأخذ الروح في الاعتبار، هذه الروح التي جاء بها الرسل غائبة في الشيوعية أيضاً. إن الذي غيّر حركة التاريخ ليس الاقتصاد، فأنا لا أرى الاقتصاد مركزياً في التاريخ، فله دور كبير هذا صحيح، لكن من الذي غيّر وجه الأرض؟.. إنهم الرسل، مِمَّا يتكوّن العالم الآن؟.. من محمد وعيسى وموسى، إنه يتشكل أيضاً من البوذية والهندوسية.. إن العالم يتشكل من الأديان، ولقد دخلت الرأسمالية مرحلة العولمة، وهي أكثر مادية من المراحل السابقة، ولذا تجدني أقاوم ذلك بعملي في منتدى بورتو أليغري لمناهضة العولمة».

تذكرت حديث الرئيس «بن بلة»، وأنا أتساءل عمّا آل إليه المنتدى الاجتماعي العالمي بورتو أليغري، الذي تأسس عام 2001 بالتزامن مع انعقاد منتدى دافوس، حيث كان الهدف - بحسب المؤسسين - مواجهة العولمة، وتقديم عولمة بديلة تقوم على العدالة والمساواة، وتنتصر للفقراء والمهمشين، حتى لا يكون العائد الحضاري لفئة من العالم دون الآخرين.

لم تمضِ الأمور كما كانت في بدايتها، فلقد رحل بن بلة وكاسترو وتشافيز الذين أعطوا المنتدى ثقلًا كبيراً، كما أن الزعيم الفنزويلي مادورو الذي جاء بعد تشافيز، لم يعد بمقدوره أن يلتفت خلفه فضلًا عن أن يواجه العولمة.

وأما العولمة التي دعا إليها الليبراليون الجدد فلم تعد هي الأخرى كما كانت، فلقد أدّت الهجرة غير الشرعية في أمريكا وأوروبا، كما أدى صعود الاقتصاد الصيني، وعودة الفلسفة البراغماتية الغربية إلى عدم تقديم العولمة كما كانت.

بل إن الرئيس ترامب الذي يعدّ بذاته أحد رموز العولمة قد اتخذ إزاء الخارج سياسات أقرب إلى الاشتراكية منها إلى العولمة، وأما البرازيل التي كانت داعمة لمنتدى بورتو أليغري للعولمة البديلة، فقد أصبحت حليفاً موثوقاً لواشنطن.

دخل منتدى بورتو أليغري التاريخ أسرع مما كان متوقعاً، وربما لحقت به الليبرالية الجديدة بعد 20 عاماً من بداية القرن الـ 21، وتغيرت جوانب عديدة في الفلسفة السياسية في العالم: العولمة، والعولمة البديلة.. معاً.