أخبر نبينا الكريم المصطفى صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بأنه سيحج في العام العاشر من هجرته الشريفة، فقدم مدينته بشرٌ كثير كلهم يريد أن يقتدي في حجه بالرسول عليه الصلاة والسلام، فكان عدد من حج معه قرابة مائة ألف من الصحابة، فيهم الرجال والنساء والصغار والكبار، وعُرفت هذه الحجة بحجة الوداع لأنه ودع الصحابة فقال لهم: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).

ولمّا بلغ ميقات ذي الحليفة أهل عليه الصلاة والسلام بالتوحيد قائلا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وهذه التلبية كما جاءت عن بعض الصحابة والتابعين أنها زينة الحج، فالحجاج يجهرون بها، في طرقهم وأثناء توجههم إلى مكة المكرمة، ولسانهم يعج بالحمد والثناء على رب العزة، والتأكيد على لزوم عقيدة التوحيد، فهو الإله الجليل المعبود جل جلاله.

وكان عليه الصلاة والسلام على لباس الإحرام بعد إحرامه بالحج، وفي هذا تذكير بأن من مقاصد الحج تذكير المسلم بأهمية التواضع والتذلل لله الواحد الأحد، فجميع الحجاج الذكور مهما بلغ ثراؤهم وأموالهم فلباسهم واحد، إزار ورداء فلِم الفخر بعد ذلك أو الخيلاء؟، وكلنا نتساوى في هذه الأمور فلا تفاضل إلا بتقوى الله تعالى.

وطاف عليه الصلاة والسلام وسعى بين الصفا والمروة وهو في هذه العبادات يذكر الله ويحمده ويكبره ويثني عليه، وجاءت هذه الحجة بعد سنوات من خروجه من مكة المكرمة لما آذاه قومه فهو القائل: «لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال».. بعدها بسنوات تخضع له قبائل العرب مجتمعة، ويدخل الناس في دين الله أفواجا وفرادى من كل حدب وصوب، فمن صبر على أمر الله وثبت وفقه الله وكتب له الخير في سبيله.

ما أحوجنا اليوم أن نتعلم الصبر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه الكعبة المشرفة قبل سنوات كانت الأصنام تحيط وتعج بها من كل جانب، فجاءت حجة الوداع لتُبين للناس قاطبة نهاية الخرافة والجهل وإعلان توحيد الله فيها، فلا أصنام بعد ذلك!.

يتبع..