الحراك السياسي الذي تشهده تونس استعداداً للانتخابات الرئاسية كشف حجم التراجع الذي تعيشه حركة النهضة «إخوان تونس»، وقد أشرنا في المقال السابق إلى تراجع خزّان الحركة الانتخابي بشكل كبير بعد أن فقدت الأصوات غير المنتمية أيديولوجياً لها، ولكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا أصبحت «النهضة» في هذا الموقف الصعب؟، ولماذا عادت إلى حجمها الطبيعي وانكفأت على «المؤدلجين» من عناصرها؟

بعيداً عن جدلية السياسة وقدرة الإخوان على الحكم، فمن المؤكد أن الشعب التونسي بغالبيته لا يمكن أن يتماهى أو ينسجم مع «الإخوان»، إذ إن طبيعة المجتمعات ونمط عيشها يحددان بشكل كبير شكل الحكم فيها.

للإجابة عن السؤال المتعلق بأسباب تراجع «النهضة» فإن الزائر لتونس لا يحتاج لوقت طويل ليكتشف أن طبيعة ونمط معيشة الشعب التونسي بعيدان كل البُعد عن عقلية «الإخوان»، فالمواطن بطبيعته منفتح ولديه استعداد فطري لقبول الآخر، وهنا لا أتحدث عن شباب تونس، بل المجتمع بكل فئاته العُمرية، إذ ليس من الصعب لأي مراقب أن يكتشف مدى الاختلاف بين عقلية المواطن التونسي العادي وبين خطاب الإخوان، فمن غير الممكن أن يلتقي الطرفان في أي جزئية من جزئيات الواقع، فهما مختلفان حد التضاد.

ما حققته الحركة في انتخابات 2011، لم يكُن سوى نتاج الماكينة الإعلامية الإخوانية بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، حيث لعبت «النهضة» على وتر عاطفة الشعب التونسي، الذي لم يكن حينها قد أعتاد على الإعلام المتعدد وصراعات السياسة وأبواقها، فصدق ما سمع من «الإخوان» إلا أنه اكتشف زيف هذه الدعاية بمجرد وصول 89 نائباً إخوانياً إلى قبة البرلمان.

إن الشارع التونسي لا يمثل تربة خصبة لمشروع الإخوان، ولا يمكن أن يصمد خطابهم أمام عقلية المواطن الرافض لكل أشكال التشدد، إلا أنه من الضروري عدم ترك التونسيين يواجهون الآلة الإعلامية للإخوان بمفردهم، خصوصاً في ظل حالة التشرذم الحزبي التونسي، وهذا بالطبع لا يعني الدعوة للتدخل في الشأن التونسي، بقدر ما هو دعوة لدعم الإعلام الوطني التونسي المستقل، والذي يُحارب بسيف الحرمان من «الإعلان» من قبل شركات ومؤسسات كبرى تابعة لدول داعمة لمشروع الإخوان.