عندما يمر بك خبر أو تشاهد صورة يتم تداولها على نطاق واسع في مختلف مواقع التواصل الاجتماعية، وهي مفبركة غير صحيحة وتخفت لفترة من الزمن ثم يعاد بعثها من جديد، وكأن لها موسماً للسبات وموسماً آخر للانتشار، وعندما أقول صورة مفبركة، لأن محتواها غير صحيح ولا يمت للعلم بأي صلة مثل صورة مخلوق خيالي لا وجود له سوى في ذهن من صمم الصورة وقام بإخراجها ونشرها، والمشكلة أنك تجد من صاغ حولها قصصاً وأنباء متنوعة تغذي وجود هذه الخرافة.. والغريب في هذا المجال أننا نجد حضوراً قوياً ومستمراً للخرافة، ولم يعد هذا الحضور في المجتمعات المتعثرة علمياً ومعرفياً وحضارياً بل تجدها موجودة بطريقة أو بأخرى حتى في تلك المجتمعات التي تتوهج بالحضارة والتقدم وانتشار العلوم.

لذا يصح القول إن الخرافة كالجرثومة في الأوساط العلمية، تتم محاولة إبعاد البحث العلمي عنها بكل السبل والطرق، والسبب بسيط وهو أن الخرافة عدوة العلم، فهي تقوم على الجهل وسطحية التفكير، ويغايرها العلم الذي يدعو للمزيد من الدرس والتقصي والتجريب ومراقبة النتائج، بمعنى يعترف بالحقائق على أرض الواقع.

كما هو واضح فإن هناك بون شاسع بين الخرافة والعلم، فكل واحد منهما يقوم على أسس ومبادئ مختلفة كلياً عن الآخر.. الخرافة تقوم ببساطة على الكذب والتزوير والخيال والأوهام، لكن يبقى السؤال: هل للخرافة أثر على المجتمعات وعلى التطور المعرفي؟

الإجابة هي بالإيجاب، نعم يوجد، حيث نجد أن لها تأثيراً بالغاً وواضحاً، فالمجتمعات التي تنتشر فيها الخرافات تركن لها فتغذي خيالها وتعطل مسيرتها وتعوق تقدمها، ويمكن ملاحظة مثل هذا الخلل في أكثر من مجتمع عربي ـ مع الأسف ـ وعند التعمق في دراسة هذه المجتمعات نجدها مهووسة تماماً ببدائل العلم بوسائل خرافية، فعلى المستوى الطبي قد تجد من يلجأ لشخص يدعي العلاج وهو أبعد ما يكون عن الطب ـ مشعوذ ـ وهناك من يظن أن العلاج بيده، بل حتى في نطاق العلم نفسه تجد الخرافة تتلبس ببعض جوانبه، فتفسر الظواهر العلمية وفق أفكار خرافية ترجعها إلى قوى خارقة غير اعتيادية، دون الالتفات إلى حقائق علمية وبحوث وضعت على مدى عقود من الزمن.

في عصرنا المتميز بدخول حقبة الذكاء الاصطناعي، تذهل لبقايا الخرافة، ووجودها في ذهن بعض الناس، لكن الخرافة التي صمدت منذ فجر البشرية حتى هذا العصر، لا يتوقع لها الانسحاب والزوال ببساطة، خاصة أننا نعلم أن من يقوم بإيقاظها والترويج لها هو الإنسان نفسه.