نعلم جميعاً أن السياسة تقترن بالحياة الاجتماعية، وذلك لقدرة الأخيرة على تزويدها بالحقائق والقوانين الاجتماعية التي تفسر السلوك السياسي تفسيراً عقلانياً وعملياً، ولكفاءتها على تخمين النتائج الاجتماعية التي تتمخض عن المسار السياسي للأحداث التي تأخذ مكانها في المجتمع، من هذا المنطلق نرى أن تاريخ 17 أغسطس الجاري سيكون يوماً لبلورة هذه الفكرة في سياقها السوداني.

فلربما ترتسم يوم السبت المقبل وسائر الأيام التالية له مشاهد لسودان متفائل بمستوى من فهم للتحديات والأزمات التي يعيشها شعبه، والتي كانت السبب في ثورته العارمة، فمهمة إنجاز الدولة المدنية منوطة بعُهدة جميع القوى والحركات السياسية والمسلحة والمعنية بالمحافظة على سلام البلاد.

ولكن ثمة مشهدٌ ضبابيٌ يلوح قبيل يوم مراسم توقيع الاتفاق بشكل نهائي على الإعلان الدستوري، وتعيش على وقعه قوى الحرية والتغير والجبهة الثورية، فمع تسارع العد التنازلي نحو ساعات التوقيع، تلح الأسباب لإيجاد حلول جذرية لإنهاء الصراع وإيقاف عجلة الخلاف، خصوصاً أن تفاصيل مواد وبنود الاتفاق فيها ما فيها من الثغرات التي تجب إدارتها بحكمة حتى لا تكون (خميرة عكننة) مستقبلاً.

أما فيما يتعلق بالحركات التي لا تزال خارج حلبة اللعبة فربما بسببها سيتعثر التوقيع على الوثيقة الدستورية وقد لا تتحرك قيد أنملة إن لم تنضم، كالحركة الشعبية لتحرير السودان جناح عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور.

إن الضرورة هنا تقتضي حرص قوى الحرية والتغيير على رأب الصدع في هذا الأمر، والإسراع لإيجاد الحلول المنصفة، بتفعيل ثقافة الممكن بالتغيير.

إنه مع إدراك أنه لا يوجد شيء ثابت باستثناء التغيير، فلا محالة من حتمية العمل لانضمام هذين الجناحين لكي يكونا جزءاً أساسياً، لأن التجزئة في أي قرار في الوقت الراهن لن تجدي، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما إذا كان السبت سيكون عنواناً لرفرفة أجنحة صقر الجديان للتحليق والطيران؟

إن الواجب يفرض على السودانيين وضع العملية السياسية في مدار التغييرات الإيجابية، من أجل تحقيق كيان لأمة يمكنها استيعاب الجميع، فكل شخص لديه القدرات العقلية والبدنية لخدمة البلاد، والتغيير التدريجي يضمن الحفاظ على مكاسب هذا البلد في حالته الجديدة، ويبقى التساؤل الملح: إلى أي مدى يمكن للوثيقة الدستورية أن تعجل أو تؤخر تشكيل الحكومة التي ينبغي لها أن تعزز النهج الديمقراطي في النظام السياسي نحو رؤية الدولة المدنية الحديثة؟