عبّر الإنسان عن مشاعره ويومياته والأحداث التي مرت به منذ قديم الأزل عبر الرسم والكتابة، فكانت جدران الكهوف والمعابد دعائم لمخيلته وحاجته الملحّة للتعبير، حيث استعمل فيها أدوات بدائية من فحم وأحجار ونحوهما، ليسجل حكمه وأقصوصاته، فتارة يشكو قسوة الحياة، وأخرى يبوح فيها بحبه لمعشوقته، وثالثة يهجو فيها السلطة الباطشة.

وصارت هذه الوسيلة بمضي الزمن، وسيلة ناجعة للمقموعين، تمارس خفيةً حتى لا يُعرف كاتبها فيُبطش به، ودونت تلك الكتابات بمواد سريعة المحو فعُرفت (بالفن الزائل).

اشتهر هذا الفن في عصرنا بفن (الغرافيت)، وأصبح لوناً من الأدب الشعبي حافلاً بروائع الظُرف والأشعار.

فكم شاهدنا كتابات على الجدران مثل: (عبود المالح، مع قلب مجروح، وبعدها اسم فتاة مع خطأ إملائي في اسمها)، أو تجد على جدار البقالة رقم هاتف منزل واسم فتاة (كنوع من الانتقام)، هذا طبعاً غير (الزعلان) على المدرسة وكاتب على كل أسوارها شتائم في حارس المدرسة مروراً بالمدرسين ووصولاً إلى مدير المدرسة (ما عدا أستاذ الرياضة)، ولا أدري كيف كان مزاج من يكتب في حمامات المدارس والمساجد يعني (الإلهام تبع حضرتك) ما ينزل إلا في الحمامات العامة؟!، وطبعاً لا ننسى صاحب المقولة الشهيرة في الرياضة (نادي أهلي غلب كله).

وفي العالم الغربي الديمقراطي لا يختلف الوضع، حيث وضع رجل لوحه على جدار منزله، بعد أن أتعبته كثرة الكتابة على جدران منزله، فكتب على اللوحة (زفاف ابنتي اقترب أرجوك لا تشخبط على جدار منزلي)، فوجد في اليوم التالي على الجدار (مبروووووك).

وهناك محب ومناضل كتب على جدار بيت محبوبته: (والدك والاحتلال وجهان لعملة واحدة). وكأن الجدران والأبواب لم تعد كافية؛ حتى وجدنا الكتابة قد انتقلت إلى السيارات والميكروباصات في الوطن العربي، عبر تعليقات طريفة وساخرة ومثال على ذلك: سيارة وضعت عليها لوحة مكتوب فيها: (السيارة للبيع.. لأسباب عاطفية)، وسيارة صغيرة جداً مكتوب عليها (أنا كنت تخينه لكن يقطع مرض السكر وسنينه)، ومن طرائف السائقين المصريين أن أحدهم كتب على سيارته الأجرة: (يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين)!