جاء التوقيع على وثيقة الإعلان الدستوري من طرف المجلس العسكري الانتقالي السوداني وقوى الحرية والتغيير في الرابع من أغسطس، ثمرة لجولات متلاحقة من المفاوضات انطوت على النوايا الحسنة بين القوى التي ترى أنها الأصلح لإدارة شؤون البلاد عقب سقوط النظام السابق الذي حكم البلد لأكثر من 30 عاماً. وتكشف الوثيقة عن حالة من التوازن السياسي المعقول والذي جاء نتيجة للتنازلات المتبادلة من الطرفين من أجل بناء نموذج جديد للحوكمة المستدامة والفعّالة خلال الفترة الانتقالية التي ستدوم 39 شهراً.

الوثيقة التي تقع في 18 صفحة، تتضمن كل التفاصيل والطموحات التي تنشدها كل الأطراف الأمينة على مصلحة البلد والوصول به إلى برّ الأمان. فهي تضع الشراكة في السلطة وتحمل مسؤولية إدارة البلاد في سياق آلية دقيقة للمراقبة والتحقق من التوازنات المتفق عليها، ولا يرى المشاركون في وضعها ما يستدعي الخجل من طرح المشكلة السودانية بأبعادها كافة.

وتعتبر أيضاً وثيقة شاملة تميل للقول، لكل من له علاقة في هذا التغير الذي يطرأ على مسيرة المجتمع السوداني، بأن قادة الحراك الشعبي والقادة العسكريين ليسوا وحدهم، بل كل الثوار المسلحين وبقية فئات الشعب تجتمع على التأكيد على دور المرأة ومستقبل الشباب في النهضة المقبلة للسودان.

ويمكن القول بكلمة أخرى، إن هذه الوثيقة التوافقية سوف تحظى بموافقة كل شرائح المجتمع السوداني من دون استثناء من أجل تجنيب البلاد خطر الوقوع في الفوضى.

وحتى اليوم الأول من شهر سبتمبر، عندما يجتمع المجلس السيادي الجديد وأعضاء الحكومة في أول جلسة مشتركة، فسوف تكون كافة عناصر التشكيلة الهندسية السياسية قد اتخذت دورها المنوط بها لإدارة شؤون البلد على أكمل وجه خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وبالرغم من كل ما قيل، فإن هناك بعض الشكوك التي تتراءى إلى الأذهان حول هذه التجربة الديموقراطية الرابعة منذ استقلال السودان عام 1956. ونتساءل: ما مدى قدرة القوى المشاركة على التمسك بمواقفها الموحدة والتغلب على نوازع الانقسامات السياسية والعرقية والجهوية، والتي طالما فعلت فعلها في تقطيع أوصال المجتمع السوداني؟، وما الذي ستفعله البلدان المجاورة باعتبارها قوى إقليمية، فهل ستدعم هذه المحاولة لولادة دولة عصرية مستقرة تحظى بالسلام؟.

ولا بد من التذكير أيضاً بأن أوروبا هي الأكثر اهتماماً وقلقاً من هذا التدفق الهائل للمهاجرين من بلدان ما وراء الصحراء الكبرى، وخاصة من السودان، حيث يعبر منها المهاجرون إلى البحر الأبيض المتوسط ومنه إلى بلدان أوروبا بحثاً عن الحياة، ولهذا السبب فإن الفائدة الأولى من تحسن الظروف الاجتماعية في السودان ستعود على أوروبا قبل غيرها.

ووفقاً لتلك الاعتبارات المهمة، يكون على المرء أن يتساءل: لماذا لا تكون البلدان الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي ككل، أكثر اهتماماً بدعم المحاولة الجديدة والجادة لإعادة ربط العلاقة بين الدولة والمواطن في السودان؟