هل صحيح أن المرء يتلبسه الحنين عندما يتقدم في العمر؟، في كتابه «ذبابة في الحساء» يعترف الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك بذلك قائلاً «أشتاق إلى ظهيرة من أغسطس ما بعد الحرب.. أنا وأمي وأخي تحت تهديد السلاح نمشي على أقدامنا من سجن إلى آخر».يتحدث سيميك في هذا الكتاب السيرة، الذي قامت بترجمته إيمان مرسال، عن ذكرياته البعيدة، والتي بدأت في التشكل عندما بدأ يلتفت لتفاصيل الحياة.

كان الشاعر تشارلز سيميك محباً للقراءة، ولعله لا يبالغ عندما قال: لم أكن أذهب إلى الحمام من غير كتاب في يدي.. أقرأ حتى أسقط في النوم وأستأنف القراءة بمجرد أن أصحو.. أقرأ في وظائفي المختلفة، مخبئاً الكتاب بين الأوراق أو في دُرج المكتب نصف المفتوح.

أما الكتاب الذي غيّر كل أفكاره عن الشعر فكان «أنطولوجيا شعر أمريكا اللاتينية المعاصر».

آمن سيميك بأن التخطيط للمستقبل مضيعة للوقت، وعاش متنقلاً بين باريس ونيويورك وشيكاغو.. عمل مُصحِّح فقرات النعي والإعلانات في صحيفة شيكاغو، ومسؤولاً عن الملصقات في دار نشر جامعة نيويورك، وموظفاً في شركة للتأمينات.

كانت علاقته بوالده جورج سيميك أقرب إلى الصداقة، حيث كانا يستمعان للموسيقى معاً، ويقضيان أوقات كثيرة في الحكي عن حياة كل منهما.

عندما التقيا في نيويورك بعد غياب دام عشر سنوات لم تكن هناك صعوبة في بناء العلاقة من جديد بين الأب وابنه، بل بدا أن الأمر أسهل في أن يكونا صديقين.. كانا يقضيان نهار السبت في التنقل من مكتبة إلى أخرى في نيويورك، وكان طموح والده، كما يقول سيميك: أن يكتب تاريخاً نقدياً للماركسية.

هل الطعام يجلب السعادة؟ يجيب كاتب هذه السيرة «نعم»، تنطلق أفضل الأحاديث حول مائدة الطعام، يرافقها الشعر والحكمة.. الملهمون الحقيقيون هم الطباخون.

يرى سيميك أنه يمكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته، وستكون قراءتها أكثر متعة مما نقرأه عادة. في هذه المذكرات يتحدث المؤلف عن بوريك دوبرساف سيفيكوفيتش الذي أكله منذ أربعة وأربعين عاماً، وما زال باستطاعته أن يرأه ويتلذذ بمذاقه عندما يغلق عينيه. وفي 9 مايو 1950، طلب من أقاربه أن يعطوه نقوداً بدلاً من هدايا عيد ميلاده، حيث قضى يومه مع صديق متنقلاً من مخبز إلى آخر.يرفض تشارلز سيميك التكهنات بموت الشعر، معتبراً إياها مثل معظم تخمينات المثقفين في هذا القرن.