يعاني موظفون شباب من الإرهاق أثناء العمل لأسباب مختلفة، يتصدرها، حسب رأيهم، الازدحام المروري في الذهاب والعودة إلى أعمالهم، الأمر الذي يصيبهم بحالات عصبية وتغيّر المزاج وفقدان التركيز، ويؤثر في كفاءة إنجازاتهم لمهامهم الوظيفية.

فيما أضاف بعضهم أسباباً أخرى لـ «الإرهاق الوظيفي» الذي يعانون منه، مثل عدم النوم الكافي، أو أمراض عضوية.

وقال أطباء واستشاريون ومتخصصون إن هذا النوع من الإرهاق يصيب نحو 30 في المئة من الموظفين سواء في القطاع الحكومي أم الخاص، محذرين من خطورته على صحة الموظف من جهة، وكفاءة الإنتاج من جهة أخرى.

واستندوا إلى تصنيف منظمة الصحة العالمية، في آخر انعقاد لجمعيتها، «الإرهاق الوظيفي» ضمن قائمة التصنيف الدولي للأمراض والمشكلات الصحية، ما يمثّل اعترافاً بالأمر الواقع بعد مداولات ومناقشات عميقة وطويلة خلال السنوات الماضية.

وأوضحوا أن إرهاق العمل ليس عرضاً لمرض فحسب، بل هو مرض له أسبابه النفسية والعضوية التي ينبغي معالجتها مثل سائر الأمراض الأخرى.

إجراءات طبيعية

وقالت مدير إدارة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة ووقاية المجتمع الدكتورة عائشة سهيل إن منظمة الصحة العالمية أدرجت الإرهاق في العمل ضمن المراجعة الحادية عشرة للتصنيف الدولي للأمراض ICD 11، وهو تصنيف حديث.

وأضافت أن التصنيف المتبع في الوزارة حتى الآن هو ICD -10، ما يعني استمرارية التعامل مع من يشعرون بهذا النوع من الإرهاق وفقاً للإجراءات الطبية العادية، حيث يتم الكشف الطبي عليهم لبيان الأسباب العضوية أو النفسية، ثم اختيار العلاج المناسب ومنح الإجازة المرضية. فيما لم تكشف الدكتورة عائشة سهيل عن موعد تطبيق تصنيف الأمراض ICD- 11 داخل الدولة.

فريق أطباء

وأكد الاستشاري ورئيس قسم الأعصاب في مستشفى راشد بدبي الدكتور أبو بكر المدني أن العديد من الحالات تُعرض عليه يومياً لموظفين من مختلف الفئات العمرية يعانون من الإرهاق عند ممارسة العمل، وحالة خمول وكسل شديدين.

وتحدث عن مسببات كثيرة لإرهاق العمل، منها ما هو نفسي وآخر عضوي، مثل التهابات الأعصاب والمفاصل، والضغوط الحياتية التي تسبب مشاكل في الأعصاب ومنها التوتر الناتج عن ازدحام الطريق.

وأضاف أن الطبيب يطلب من المرضى في هكذا حالات العرض على أطباء من عدة تخصصات مثل المفاصل، والعظام، والغدة، لمعرفة المشكلة بدقة، وإذا لم يثبت وجود أي مرض عضوي يتم العرض على طبيب نفسي. وتطرق إلى حالات تعاني من الشخير أثناء النوم بسبب مشكلات في زيادة الوزن أو لحميات في الأنف، ما يسبب قلة النوم ويؤدي إلى الإرهاق، لافتاً إلى أن خمول الغدة الدرقية أحد المسببات الرئيسة للإرهاق خصوصاً في فئة الشباب.

أسباب وأعراض

وأرجعت استشارية الطب النفسي ورئيسة جمعية الإمارات للصحة النفسية الدكتورة سامية الخوري إرهاق العمل إلى أسباب عديدة، أهمها تعرض الموظف للإجهاد الشديد مع الضغط النفسي، ما يؤدي إلى إحساسه بأن المهام الموكلة إليه تفوق طاقته، مع شعور بالإحباط أحياناً، فضلاً عن المشاحنة مع بعض الزملاء وعدم الانسجام معهم.

كما أشارت إلى عدة أعراض للإرهاق الوظيفي يتصدرها الشعور بالتعب، وفقدان القدرة على استكمال المهام، والنسيان، وقلة التركيز أو الانتباه، والشعور باللامبالاة تجاه العمل، وعدم القدرة على الإبداع والإنتاجية، وتقلب المزاج، والعزلة، والتشاؤم، والشعور بالغضب أحياناً، والأرق، والاكتئاب، فضلاً عن مشكلات في المعدة، والهضم.

وأوضحت أن للضغوط المستمرة على الموظف تأثيراً سلبياً على الجسم لأن هرمون الإجهاد يحفز إفراز الكورتيزون والأدرينالين، وتسفر زيادة إفراز هذه الهرمونات عن حدوث الأرق، وصعوبة النوم، واضطراب الجهاز الهضمي والمناعي، وكذلك الشعور بالاكتئاب.

ونصحت الخوري بأن تكون بيئة العمل مريحة، تراعي الظروف المختلفة للموظفين لأن سعادة الموظف تؤدي إلى الإنتاجية والإبداع المؤسسي، فيما يؤدي إرهاقه لآثار جسيمة على صحته من جهة وأعمال المؤسسة من جهة أخرى.

خلل الجهاز المناعي

وحدد الاستشاري ورئيس وحدة كهرباء القلب بمستشفى القاسمي الدكتور محمد مجدي أبرز الأسباب العضوية للإرهاق المستمر في العمل خمول الغدة الدرقية، والسكري، وفقر الدم «الأنيميا»، وخلل في الغدة الكظرية، وتناول بعض الأدوية مثل باسط العضلات في بعض أمراض العظام والفقرات والانزلاقات الغضروفية.

وعدّد الدكتور مجدي أسباباً نفسية أبرزها الاكتئاب بسبب بيئة العمل أو الأسرة أو الأصدقاء، وقلة النوم، مؤكداً أن كل هذه الأسباب تسبب خللاً في الجهاز المناعي للجسم، ما يؤدي إلى فقدان الطاقة، ثم التعرض للإرهاق بشكل مستمر.

30% مرهقون

وقال استشاري الصحة المهنية وطب الأسرة الدكتور منصور حبيب إنه يتعامل بحكم عمله طبيباً استشارياً لشركة كبيرة مع أكثر من 1000 موظف يعرضون عليه بشكل مستمر، حيث تبين له أن نحو 30 في المئة من الموظفين الشباب في العشرينات والثلاثينات يعانون من إرهاق مزمن خلال العمل، لكنهم يكونون في حالة نشاط خلال نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية.

واكتشف بعد التحاليل والفحوصات أن 15 في المئة من أولئك المرضى يعانون من أمراض عضوية مثل اختلالات الغدة، واضطراب الهرمونات، ونقص الفيتامينات، بينما يعاني الـ 15 في المئة الآخرون من مشكلات نفسية أو عصبية أو ضغوطات العمل التي تسبب الإرهاق.

وشدد على أن هذه النسب تمثل جرس إنذار للمجتمع كله بضرورة اتباع الأسس العلمية في الإدارة والعلاقة بين المدير ومرؤوسيه.

وأضاف «وفقاً لما نرصده في عملنا نجد أن الشباب يصابون بأمراض نتيجة مخالفة الوعود من قِبل الإدارة العليا، وعدم وجود مسار وظيفي محدد للموظف ليعرف أين سيصبح بعد 10 سنوات من بداية عمله، وكيفية ترقيته وضمان نزاهة هذه العملية، ما يدعو للاستنتاج بأن تعرض الشباب للإرهاق يرجع أحياناً إلى أسباب مؤسساتية تسفر عن أمراض نفسية وعضوية».

وأوضح حبيب أن العديد من الموظفين يراجعون الأطباء بسبب أعراض مثل الصداع المزمن، والرشح، واضطرابات المعدة، فتكشف الفحوصات الطبية أن نسبة كبيرة منهم لا يعانون من أي مرض، ما يستدعي تحويلهم إلى طبيب نفسي يواجه مشكلة تحفّظ الشباب في الحديث عن ضغوطات العمل خوفاً من معاقبة المدير لهم.

واعتبر التحدي الأبرز الذي يواجه الموظفين في القطاعات المكتبية هو الضغط النفسي، الأمر الذي يحتّم على المؤسسات والشركات توفير بيئة عمل إيجابية على أسس علمية ونفسية سليمة.

وتطرق في الوقت ذاته إلى أسباب أخرى لوصول الموظف إلى هذه الحالة، مثل الأوضاع الأسرية والمشوار اليومي من وإلى العمل بما يحتويه من مسافة أو ازدحام وتكدس مروري.

وثمّن حبيب أهمية تصنيف واعتماد منظمة الصحة العالمية لهذا المرض لأنه السبيل لإعطاء الموظف حقه بالإجازات وفترات الاستشفاء وفق لوائح العلاج.

تعب في بداية العمل

وتحدث «محمد شعيب، 29 عاماً» عن حماس كبير للعمل انتابه عند تخرجه في الجامعة خصوصاً خلال سنة التدريب الأولى، إلا أنه سرعان ما بدأ يشعر بعد التثبيت في الوظيفة بالملل والإرهاق المستمرين، وعدم الرغبة في إنجاز المهام، وتسويف الأعمال الموكلة إليه.

وقال إنه راجع طبيب الشركة التي يعمل فيها فطلب منه إجراء تحاليل وفحوصات أثبتت سلامته من الناحية العضوية، ما استدعى عرضه على استشاري صحة مهنية أكد أنه يعاني من بداية اكتئاب بسبب تغيّر الحياة من الجامعة إلى العمل وتحمل المسؤولية.

وأضاف شعيب أن الحياة المهنية مملوءة بصعوبات تبدأ من الازدحام المروي صباحاً حيث يسكن في الشارقة بينما عمله في منطقة مركز التجارة العالمي في دبي، وهي مسافة تستغرق منه نحو ساعة ونصف الساعة أو حتى ساعتين أحياناً في الذهاب ومثلها في الإياب ما يؤثر على صحته.

وبيّن أنه منذ لحظة وصوله إلى العمل ونزوله من السيارة لا يكاد يشعر بحركة قدميه، فضلاً عن عدم القدرة على العمل بكفاءة كاملة، ما جعله يفكر مؤخراً في نقل مقر إقامته إلى دبي للتغلب على هذه المشكلات الصحية.

وقال «مانع المربوعي، 26 عاماً» إن دوامه يبدأ الساعة السابعة صباحاً وينتهي الثالثة عصراً، لكنه يشعر بالإرهاق والملل وعدم القدرة على الإنجاز إذا تطلبت المهام الوظيفية اليومية بقاءه في الشركة لوقت أكثر من ذلك فيفضل إنجاز ما تبقى من أعمال خلال وجوده في المنزل بعد تناول وجبة الغداء والخلود للنوم قليلاً.

ولفت إلى أن الازدحام المروي أثناء ذهابه إلى عمله أو العودة منه أكثر ما يرهقه ذهنياً ويشعره بالإحباط والعصبية حيث يستهلك 40 دقيقة إضافية عن المعدل الطبيعي لزمن الوصول إلى الدوام.

عدم تركيز

وأوضح «محمد المربوعي، 32 عاماً»، أنه يشعر أحياناً بمشكلات بدنية أو انشغال ذهنه وعدم التركيز والتشتت خلال أوقات العمل، إضافة إلى معاناته في بعض الأوقات من آلام شديدة في ظهره جرب طرق كثيرة لعلاجها من دون جدوى، إلى أن أبلغه الطبيب أنه مصاب بخمول في نشاط الغدة الدرقية ما يسبب له الإرهاق ومشكلات التشتت الذهني.

وأشار إلى إرهاقه نفسياً ومزاجياً بسبب تكدس السيارات وازدحام الطريق إلى العمل صباحاً، حيث يستغرق ساعة كاملة في مسافة لا تتجاوز 25 كيلومتراً، ما يجعله يصل إلى العمل في حالة نفسية مشحونة بالغضب والتململ.

ودعا الجهات المعنية إلى تشجيع ثقافة استخدام المواصلات الجماعية لدى الشباب خصوصاً بما يملكونه من طاقة للحركة والتنقل.

أمراض عضوية

وذكر «عبدالعزيز الدرمكي، 30 عاماً» أنه يمر بفترات يفقد فيها القدرة والرغبة في الاستيقاظ من النوم للذهاب إلى عمله أو حتى مقابلة أصدقائه أو الخروج معهم للنزهة، مع شعور بعدم التركيز والنسيان المتكرر، بسبب بعض الأسباب العضوية التي عالجها، فضلاً عن أسباب أكثر أهمية أولها الازدحام في الطرق، وبعد المنزل عن مكان العمل. وأضاف أنه عندما يصل إلى العمل يكون قد استهلُك تماماً ولم يعد لديَه طاقة لإنجاز العديد من المهام المكلف بها بسبب الإرهاق الشديد.

في المقابل، اعتبر «وليد العلوي، 34 عاماً»، أن الإرهاق الوظيفي يبدأ من المنزل، فإذا كانت الحياة الزوجية أو الأسرية مستقرة وسعيدة يغدو الإنسان في حالة مزاجية جيدة تمكّنه من أداء أي وظيفة على أكمل وجه، وإذا عانى من مشكلات في بيته فستتأثر حالته النفسية والصحية والمزاجية، ما ينعكس سلباً على عمله.

وقال «علي أحمد مانع، 29 عاماً»، إنه يسكن في دبي قرب مقر عمله ولا يستغرق الطريق في الأوضاع الطبيعية أكثر من خمس دقائق، لكنه يقضي 20 دقيقة بسبب الازدحام صباحاً، ما يستنزفه نفسياً وفكرياً وبدنياً.

وأضاف أنه يحاول طوال الوقت التكيّف مع الواقع ليقل التأثير السلبي في نفسيته وحالته المزاجية، وكي لا يلاحظ زملاؤه عصبيته، حيث لا ذنب لهم ليعاملهم بعنف أو تجهم في الصباح عند وصوله إلى الدوام.