رفع إبراهيمُ عليه السلام قواعد بيت الله الحرام ودعا الناس إلى الحَجِّ، ودَأبَ العربُ منذ ذلك الحين على رعاية بيت الله الحرام وحُجَّاجه، وبعد مَجيء الإسلام وفَرْضِ الحجِّ سنة تِسْعٍ للهجرة، ظلَّ المسلمون يُؤَدُّونَه دون انقطاع، واسْتُخدِمت الجمالُ وسائلَ رئيسة لنقل الحُجَّاج، وفي بعض البلدان القاصية اسْتُخدِمَت الطرقُ البحرية، وهناك مَنْ حَجُّوا على مُتون الخيل أو البغال أو الحمير أو سَيْراً على الأقدام.

كانت رحلةُ الحجِّ شاقَّةً ومحفوفةً بالمخاطر؛ لذلك كان كثيرٌ من الحُجَّاج يَتَجمَّع في مصر والعراق وسوريا للذهاب في قوافلَ ضخمة محروسة إلى الدِّيار المقدسة.

وبدأَ استخدامُ السفن البخارية لنقل الحُجَّاج بكثافة بعد إنشاء قناة السويس (1869)، ومنذُ سنة 1950 لم تَعُد الجمالُ (سُفُنُ الصحراء) تُستخدَم عَمَلِيّاً لنقل الحُجَّاج؛ إذْ حَلَّت محلَّها السفنُ والطائرات والسيَّارات، ورغم أنَّ الطائرة اسْتُخْدِمت للحجِّ سنة 1937، فإنَّها لم تُصْبِح الوسيلةَ الأساسية لنقل الحُجاج إلا مُنذُ سبعينيات القرن الماضي.

والآنَ مع تَكاثُرِ المسلمين دَعَت الضرورةُ إلى توسيع الحرمين الشريفين وإلى تقييد عَدَد الحُجَّاج، ففي هذه السنة بلغَ عددُهم نحو مليونين و500 ألف، في حِينَ حَجَّ مع الرسول (عليه الصلاة والسلام) في حِجَّة الوَدَاع سنة 10 هــ /‏‏ 632 م نحو 100 ألف حاجٍّ.

وقد كان حُكَّامُ المسلمين في العصور المختلِفة يحرصون على رعاية الحَجِّ وإنجاحه، واليوم تَهْتَمُّ المملكةُ العربية السعودية بتيسيره، فأنجزتْ تَوسِعَاتٍ ضخمة للحرمين الشريفين، وطوَّرت المسعَى والطَّوافَ وآلياتِ رَمْي الجمرات، وبَنَت «قطار المشاعر» العملاق، وشادت طُرُقاً بديعةً وأنفاقاً وجُسوراً ضخمة في مكة، ووفَّرت الأمْنَ والصحةَ ووسائلَ الراحة والإرشادَ للحُجَّاج.

وتلك إبداعاتٌ فريدةٌ اسْتَنَدت إلى مقاصد الشريعة القائمة على التيسير، وستأتي لاحقاً تطويراتٌ وإبداعات أخْرَى تفوق الخَيَال، ومَكَّنَت هذه الابتكاراتُ من تسهيل الحَجِّ، فَمَرَّ هذه السنة بسلاسة دون صعوبات أو تدافُعات أو اختناقات مرورية تُذْكَر أو أوْبِئَة.

أمَّا في الماضي فكان الحَجُّ شاقّاً، وكانتْ أخبارُ الحاجِّ تَنقَطع عن ذَوِيه حتَّى يعود إليهم بعد فترة طويلة؛ لكنَّه اليوم أصبح يعيش بينهم، بفضل «الحجِّ الذكِي».

ففي يوم عَرَفَة هذا العام اسْتَهْلَكَ الحُجَّاجُ 1718 تيرابايت للاتِّصال بذويهم وأحبابهم. وصار الحاجُّ يَتلَقَّى رسائلَ قصيرة في هاتفه لإرشاده وتوجيهه.

وحصَلَ كثيرٌ من الحُجَّاج هذه السنة على تأشيرات حَجِّ إلكترونية، وفي وَقت قريب ستُصبِح مكَّةُ كُلُّها مدينةً ذكية.