الأربعاء - 23 أكتوبر 2019
الأربعاء - 23 أكتوبر 2019

أهل العنت من القرَّاء

القارئ حاضر دائماً في ذهن الكاتب؛ حضور حي وليس مجرد تخيل أو تصور؛ ويضع الكاتب له ألف حساب وحساب؛ بعض الكتاب أراحوا أنفسهم من هذه المسألة وسلموا للقارئ بكل شيء؛ مثل أنيس منصور الذي كان يردد باستمرار: «القارئ على حق دائماً»؛ وعنده هو وبعض الكتاب أن القارئ إذا انصرف عن الكاتب ولم يهتم به فتلك مشكلة الكاتب لا القارئ؛ وأتصور أن موقف أنيس كان رد فعل لموقف أستاذه عباس محمود العقاد؛ الذي سأله قارئ ذات يوم: لماذا لا تكتب ما يفهم؟، فرد عليه بحدة: ولماذا لا تفهم ما يكتب..؟!؛ وكان هناك من يرى أن أسلوب العقاد صعب وأن عليه أن يقوم بتبسيط أسلوبه؛ لكنه لو فعل ذلك لصار كاتباً آخر غير العقاد.

عبد العزيز البشري تحدث صراحة عمن أسماهم «أهل العنت من القراء»؛ وكان البشرى يحرر باباً «في المرآة» بجريدة السياسة الأسبوعية؛ قبل أكثر من تسعين عاماً؛ وكان يقدم صورة قلمية لبعض شخصيات عصره من سياسيين وأدباء ورجال الدولة؛ وكان أسلوبه ينطوي على قدر من السخرية والانتقاد القاسي والمرير في بعض الحالات، وحقق هذا الباب رواجاً شديداً لدى القراء؛ وتجاوب معه كثيرون.

ولما همَّ بالكتابة عن شاعر النيل حافظ إبراهيم تخوف كثيراً، وقال: «ويح نفسي من عنت أهل العنت من القراء» لأن حافظ صديقه الصدوق، وهو يعرف عنه ما لا يعرفه الآخرون، ولأنه لن يغير طريقته في الكتابة من حيث الانتقاد وإبداء بعض الملاحظات على الشخصية؛ كتب البشرى: «إن قلت فيه خيراً قالوا: شهادة صديق لصديق، فهي متهمة مهدرة؛ وإن قلت شراً قالوا: ما أنكره للود وما أكفره»، ولكن البشري لم يستسلم أمامهم؛ وقال: «ما لي لا أعوذ من ألسن هؤلاء بالحق، فالحق أجدى من مصانعة هؤلاء».


المشكلة قديمة في أدبنا العربي وليست معاصرة فقط؛ حيث وجدنا ابن قتيبة في مقدمة كتابه «عيون الأخبار» يخاطب فئة من القراء بصرامة، بقوله: «فإذا مر بك - أيها المتزمت - حديث تستخفه أو تستحسنه، أو متعجب منه أو تضحك له؛ فاعرف المذهب فيه وما أردنا به، واعلم أنك إن كنت مستغنياً عنه بنسكك، فإن غيرك ممن يرخص فيما تشددت فيه، محتاج إليه؛ وإن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك»، ويضيف ابن قتيبة قائلاً: «لو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شعر بهائه وشطر مائه، ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك».
#بلا_حدود