خلال أسبوعين خليا.. عشنا في حضرة ومضات وذبذبات، وهمزات وإشراقات وبشائر الحاج (حسن أوريد) في سرده الروائي، ولا يمكن أن تختم سفر هذا الرجل دون أن تداهمك ثلاث وقفات هي لقمانيات خلاصة الرحلة: الوقفة الأولى: الحج استكشاف وهجرة ومصالحة بعد خصام، وتزكية وتربية بعد عقوق وجحود، وسكينة واطمئنان بعد حيرة وتيه، ويسر بعد عسر، وعتق بعد أسر.. وانشراح وأمل بعد انقباض وكدر.. تجليات إيمان لا تدرك إلا بالذوق، تتحشرج ألماً على تقصيرك في جنب الله، بعدها لن تهزمك نفسك في أي مكان تحط رحالك؛ لأن قلبك بالله اطمأن.

الوقفة الثانية: قد يثقلك الماضي بعذاباته وقيوده وسرابه، لكن الحج فجر جديد، وفارق بين أمس فات وغد آت، وفرقان مبين بين الشك واليقين بعد رحلة البحث والكدح، فلا سراب سيشدك، ولا شك سيساورك بعد هجرتك وأوبتك إلى النبع الأول والأخير، إسلام وسطي، لا إفراط فيه ولا تفريط.

الوقفة الثالثة: ليس الدين طقوساً ونصوصاً وعبادات فحسب، بل إشراقات تضيء القلوب، وومضات تثري العقول، وتأمل يكسر القيود، وتدبر يغنيك، وتجليات ترويك، ورفقة نحو درجات الارتقاء في رحلة النفس المطمئنة.

ختاماً، تكمن عبقرية (حسن أوريد) في سفره «رواء مكة»، في أنه تعرى بذاته فتجلى، وجعلنا نصغي إلى تفاصيل بوحه، ونتفاعل مع مصارحته وهمهمات لا يبوح بها إلا من لبى النداء، فوصف ما وقر في قلبه وتجلى لبصيرته بفصاحة لغوية وبناء معرفي، استشعرنا معه همسات قلبه، لنكون شهوداً على سيول أفكاره الهادرة، ورحى المعارك الدائرة بين العقل المتشبع بمنطق الغرب، والنفس الممزقة بين نوازع الخير وإغراء الشر، وكيف حاربها وهزمها وودعها دون أن يبشرنا بدين جديد، لكنه تركنا ليولي كل منا وجهته، وقد عايشنا معه رحلته بين ما كان، وما آل إليه بعد هجرته، وتلك عبقرية تحسب لأوريد كمبدع في السيرة الروائية.

«هجرة» أوريد هي هجرة إلى الله، انتصر فيها ما غرسه النبع في عقله ووجدانه، غرس ظل رابضاً تحت أنقاض لعبة الشك واليقين التي ظل يسقيها كل من صال وجال في فلك حياته من أفكار ومعتقدات وقناعات، فكانت تلك الهجرة الشعاع الذي ذهب بالزبد جفاء، ليمكث النفع الحق في نفسه ونفوسنا.. وتلك هجرة لا يلقاها إلا ذو قلب سليم وحظ عظيم.