حين نقضي وقتاً في حديقة عامة، وقبل مغادرتنا نحرص على رمي مخلّفاتنا في مكانها المخصص ـ رغم علمنا بوجود عامل نظافة يقوم بهذا الدور ـ قد يكون ذلك لأسباب كثيرة نضعها تحت خانة الذوق أو التحضّر، لكنّ أصل الأمر وجذره هو أنّ أي تصرّف نبيل نقوم به لا بد من أن يرتبط بالوعي، فالوعي هو الذي يدفعنا إلى تبنّي جملة دون غيرها من الأفعال والأقوال.

والوعي ينمو ويزدهر بعد تفاعل الحواس - الظاهرة وغير الظاهرة - مع العقل والقلب، فأيّ عمل لا يرتكز على وعي قوي، يسهل نسفه عند أول إعصار.

فحين نقوم مثلاً بعمل ما بحكم العادة ويفتقر هذا العمل إلى الوعي، فنحن هنا لسنا أكثر من مجرّد آلات مُبرمَجة يسهل إعادة برمجتها، وهذا إذن قد يستدعي التريّث لتأمّل عاداتنا وسلوكياتنا، هل هي مبنية على وعي أم مجرّد تطبيق شكلي؟ وعملية بناء الوعي ليست سهلة، ولا تكون بالتلقين الإنشائي المباشر، بل بالتعلّم والبحث، والتجربة والمقارنة، والمعرفة القائمة على التحرّر من الأهواء والمنفعة الشخصية، ولا يخوض جهاد العلم هذا إلا من يقدّر عقله فعلاً ويُنزله المنزلة اللائقة، فلا يمكن مخاطبة شخص عقلاني بأدوات بالية لا تبني على وعيه شيئاً، بل قد تحاول بيع الوهم في أحيان كثيرة، في محاولة صارخة لتجميد العقل واتباع ما يُمليه عليه الآخر، والشخص فقير الوعي سيختار ابتلاع الوهم لأنه الخيار الأسهل، بينما غيره قد يقبض عليه ليفنّده ثم يتجاوزه أو يعرض بديلاً آخر.

لكن حتى لو نجحت تلك الأدوات ببيع الوهم لبعض الوقت، فلحسن الحظ، لا يعمل الوعي في خط مستقيم باتجاه واحد، بل في دوائر تتلامس وتكبر وتحلّق في فضاءات يصعب على الوهم الثبات فيها زمناً طويلاً، ذلك أن الوهم يفتقر إلى خواص النمو في مجتمع المعرفة، بينما ينمو فيها الوعي ويثمر.

واختلاف الثمار مصدره تعدد أطياف الوعي، وهو ما علينا احترامه وتقبّله بل والحثّ عليه، لأن الصواب باقٍ ما بقي الوعي، وقد يكون هناك أكثر من صواب، ما يعني مضاعفة المنفعة العامة، أما التطرّف غير المبرر والمتمثّل في الإقصاء فيُعد مؤشراً على شكّنا بحصانة الوعي الذي نحمله في داخلنا، فنشعر بالتهديد، وتتأثّر تبعاً لذلك أفعالنا وقراراتنا.