قبل يومين، استيقظ رواد مواقع التواصل الاجتماعي على خبر مؤسف، بعد أن قام طبيب مصري ـ تخطى بالكاد عتبة عقده الرابع ـ بإعلان انتحاره عبر قطع شرايين يديه.

شارك الطبيب الشاب صوراً مفزعة تؤكد صدق نيته، ومع الصور كتب عبارات قد تشي بوقوعه في أزمة نفسية حادة يُسأل عنها المقربون، تلك الأزمة التي تكاتفت مع أزمات أخرى سابقة في وصوله إلى حالة من الإحباط أدت إلى محاولته إنهاء حياته.

لحسن الحظ، نجحت الحملات التي قادها أصدقاؤه ومتابعوه على وسائل التواصل الاجتماعي في نقله إلى مستشفى محلي، وحتى كتابة تلك السطور، لا يزال الشاب تحت ملاحظة المختصين من زملائه الأطباء.

لكن حُسن حظ ذلك الشاب لم يصادف الكثيرين غيره، إذ يقضي نحو 800 ألف شخص حتفهم سنوياً جراء الانتحار، حسب منظمة الصحة العالمية، التي تقول إن الانتحار هو السبب الثاني للوفاة بين الشباب في عمر 15 إلى 29 عاماً، فيما تتربع «الإصابات غير العمدية» جراء الحوادث على رأس قائمة أسباب الوفاة في الفئة ذاتها.

وللحد من حالات الانتحار، يحاول الباحثون والعلماء إيجاد طرق علاجية لحالات الاكتئاب التي تفضي للانتحار، إلا أن باحثين قرروا المضي قُدماً في طريق آخر يعتمد على التكنولوجيا التنبئية، والتي من شأنها توقع ما إذا كان الشخص ينتوي الانتحار أم لا.

فبحسب دراسة منشورة اليوم في دورية «ساينس» الشهيرة، قام الباحثون بتصميم خوارزمية ترصد أنشطة المراهقين في عمر ما بين 13 و18 عاماً، لتلك الخوارزمية القدرة على التنبؤ باحتمالية إقدام هؤلاء المراهقين على الانتحار.

حصل الباحثون على دعم من أولياء أمور مجموعة من المراهقين، لدمج تطبيق على هواتفهم المحمولة. يقوم التطبيق بفحص التفاصيل الدقيقة التي لا يستطيع الأطباء الوصول إليها. من ضمن تلك التفاصيل الرسائل النصية، المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي، نبرة أصواتهم أثناء المكالمات الهاتفية، تعبيرات وجوههم في الصور الشخصية، وحتى الموسيقى التي يستمعون إليها، ومقدار الوقت الذي يقضونه في المنزل.

يهدف الباحثون في تلك الدراسة للجمع بين تقنيات التعلم الآلي وملايين المعلومات المستقاة من الأدلة التي تم جمعها عبر عشرات السنوات لتكوين معرفة جديدة حول ما يُمكن أن يؤدي للسلوك الانتحاري. تستطيع تلك الخوارزمية اكتشاف «طفرات المخاطرة» التي تدعو المراهقين لمحاولة الانتحار، عبر فحص حياتهم الاجتماعية والعاطفية، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهواتفهم المحمولة.

ويقول عالم النفس بجامعة أوريجون، نيكولاس ألين، وهو الباحث المشارك في تلك الدراسة إن مراقبة «النشاطات الرقمية» للمراهقين عبر استخدام تلك الخوارزمية قد تساعد في تحديد «العلامات المؤدية لكارثة الانتحار». ويشير الباحث في تصريحات خاصة لـ «الرؤية» إلى أن الأطفال ينتحرون سنوياً بأعداد قياسية، لذا حاول الباحثون تنبيه أولياء أمورهم لاحتمالية حدوث تلك الكارثة، عبر ربط التطبيق المدمج في الهواتف المحمولة للأطفال بتطبيق آخر مدمج بهواتف الآباء والأمهات.ارتفعت معدلات الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية ـ وهي الدولة التي أُجري فيها اختبار التطبيق ـ بشكل حاد بين صغار السن، فبالنسبة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين عشرة و24 عاماً، وصل المعدل إلى 10.57 لكل 100 ألف في عام 2017، مقارنة بـ 6.57 لكل 100 ألف في عام 2007. وفي دراسة سابقة أجريت عام 2017 على 15 ألف طالب من طلاب المدارس الثانوية، قال 7.4 في المئة منهم إنهم حاولوا الانتحار في الأشهر الـ 12 الماضية.

يُعرف على وجه الدقة بعض عوامل الخطر التي يمكن أن تؤدي للانتحار، من بين أقوى تلك العوامل: «الأمراض العقلية»، خصوصاً الاكتئاب، كما يزيد إدمان المواد المخدرة من مخاطر الإقدام على الانتحار، وهناك بعض الأمراض المزمنة التي يمكن أن تؤدي لقتل النفس، فكيف يمكن لتطبيق على هاتف محمول رصد تلك المخاطر وقياسها؟

يقول نيكولاس ألين إن التطبيق يعتمد على جهاز «يقظ باستمرار»، فمن منا لا يُمسك هاتفه المحمول طيلة الوقت؟ وبالتالي، ففي بعض الأحيان يكون الهاتف المحمول أقرب إلى صاحبه من والديه، إذ يعرف ذلك الهاتف الكثير والكثير عمن يمتلكه. يعتمد التطبيق على تلك النقطة، إذ يقوم بفحص كلمات مفتاحية معينة تشير إلى احتمالية وجود أفكار انتحارية لمالك الهاتف، كما يمكن أيضاً أن يفحص العلامات الحيوية، ومستويات التوتر، عبر استخدام المزايا الحديثة والمستشعرات فائقة الدقة المدمجة في الوقت الحالي في معظم الهواتف المحمولة.

قام الباحثون ببناء ذلك التطبيق بصورة ذكية للغاية، إذ زودوه بمعلومات عن حياة أعداد كبيرة من المنتحرين، من ضمن تلك المعلومات صور لهم قبل الانتحار، والمشاركات التي كتبوها على وسائل التواصل الاجتماعي ومعدلاتهم الحيوية وحالتهم النفسية، وهو أمر ساعد التطبيق في تكوين قاعدة بيانات يمكن استخدامها في إجراء مقارنات بين سلوك المنتحرين وأصحاب الهواتف المحمولة المدمج عليها التطبيق.

في تسعينات القرن الماضي، قام عالم النفس الشهير إدوين شمايدمان بإجراء اختبارات على أصوات الأشخاص بهدف قياس الضيق العاطفي المفضي للاكتئاب، كما قام بإجراء تجارب على نوع الموسيقى التي يستمع إليها هؤلاء الأشخاص. دمج الباحثون تلك المعلومات في خوارزمية التطبيق، لأخذ تلك العوامل في الاعتبار.

ويقوم ذلك التطبيق أيضاً بتتبع النشاط الفسيولوجي، وقياس مستويات النوم، إذ تقول الأبحاث إن المقدمين على الانتحار يعانون اضطرابات في النوم، وأرقاً ليلياً مستمراً. ويشير ألين إلى أن التطبيق الجديد يستطيع فحص تلك الاضطرابات، وضمها إلى العديد من العوامل، التي نستطيع أن نستنتج منها مدى إقدام الشخص على الانتحار من عدمه.

لم يُطرح ذلك التطبيق في الأسواق بعد، وفي حالة إجازته، سيكون مجاناً بشكل كامل، ويأمل الباحث نيكولاس ألين أن يساعد التطبيق في الحد من حالات الانتحار، إلا أنه يعود ويؤكد أن الأمر ليس بتلك السهولة. فالأشخاص المقدمون على الانتحار يحتاجون إلى تضافر كل الجهود الممكنة لكي يعبروا إلى بر الأمان، مشيراً إلى أن موضوع الانتحار «متشابك بشدة»، ويحتاج إلى تدخل فوري من قبل الأسرة والعلم والسلطات الصحية المعنية، لعلاج ذلك الداء الذي يغزو العالم.. داء الانتحار.